| ► | يوليو 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |

" فؤاد حـــــــــداد - التحولات الكبري "
————————————————-
محمد كشيك
———-
لقد اكتملت ملامح فن الزجل علي يد الشاعر العبقري ‘بيرم التونسي، ولم يعد بمقدور أحد أن يضيف شيئا إلي ما قدمه بيرم التونسي في هذا المجال.. إذ إمتلك هذا الشاعر موهبه إستثنائية، تتميز بالفرادة والحساسية والقدرة علي التصوير وإلتقاط العناصر الجوهرية التي كانت تتغلغل بداخل المجتمع المصري في هذا الوقت، حيث تكاتف الجميع من أجل البحث عن ملامح مصرية صميمة تميز جميع الأنواع الأدبية.. فظهر الموسيقار ‘سيد درويش’ الذي راح يبحث بإستماتة عن خصائص هذا الصوت، وترافق هذا النزوع مع بحث المثال ‘محمود مختار’ الذي عثر علي ضالته في تلك الإكتشافات المبكرٌة، إذ عرض التمثال المصغر لنهضة مصر في صالون باريس عام 1920، ثم جاءت مدرسة الفجر عام 1925، والذي كان شعارها ‘الهدم من أجل البناء’ لتبحث عن صيغة مناسبة يمكن من خلالها التعبير بواسطة الفن القصصي عن ذلك الواقع الجديد الذي بدأ يعلن عن تجلياته بإستمرار..
وظهر، بيرم التونسي ‘ ‘ وسط هذه الروح المتوثبة ليحاول العثور علي ذلك الصوت الخاص الذي بدأ يتغلغل عميقا بداخل هياكل المجتمع، المتطلع إلي إكتشاف ذاته بعدما عاني طويلا من الإنقسام والتمزق وفقدان القدرة علي التعبير عن نفسه.
وكانت موهبة بيرم التونسي من القوة بحيث تعرف علي طريقه مبكرا، ولم يستلزم الإعداد وقتا طويلا حتي أصبح علما في مجال التعبير بالزجل… وإستوعبت واعيته البصيرة بسرعة مذهلة معظم الكتابات الفنية التي سبقته إذ كان يتمتع بقدرة مدهشة علي الالتقاط والاستيعاب والتعبير عن نفسه بكافة الأشكال الفنية المعروفة في هذا الوقت.. وإضافة إلي ما تعلمه بيرم من الزجالين السابقين، فقد تمكن أن يطور من القوالب والأشكال القديمة ليجعلها اكثر ملاءمة للتعبير عن مشكلات الحياة اليومية وقضايا الواقع المعاش.. لقد إمتلك بيرم التونسي وعيا عميقا بطبيعة العلاقات الانسانية والاجتماعية والسياسية، وإدرك علي نحو يقيني أهمية الشعر في مقاومة الظلم الاجتماعي السائد، ودوره في تحريض البشر ضد القبح والبشاعة في جميع أشكالها المختلفة، لذلك فقد إختار بيرم الصدام منذ اللحظة الأولي، وأصبح المتمرد الأعظم علي كل ما في المجتمع من سلبيات لايمكن السكوت عليها.. وتميزت قصائد ‘بيرم التونسي’ بقدرة فائقة علي إستيعاب تناقضات المجتمع والتعبير عنها بدقة وعمق وإحكام، وعلي الرغم من تلك الانشغالات المتلاحقة بالوقائع والأحداث اليومية، إلا أن ‘بيرم التونسي’ قد قدم إسهامات كبري في تطور البني والإيقاعات الشعرية، حتي أن عروق الذهب يمكن أن نلمحها بيسر وسط كل تلك القصائد الساخرة التي تكشف العديد من المثالب الاجتماعية، الي الدرجة التي أصبحت هذه القصائد وبما تمتلكه من طاقة شعرية قادرة علي أن تتجاوز العصور لتصل إلينا، ماتزال تحمل قدرتها علي التجاوز والنفاذ والمرور عبر الأزمنة، لتصل إلينا، وكأنما قد تمت كتابتها في التو واللحظة، فيقول في قصيدة: ‘بخمسين قرش :
بخمسين قرش ترفع ميكروفونك
لوش الفجر، وزيادة شوية
وخمسين قرش توضع، نص درهم
في جيب خصمك، وترميه في بليه
وخمسين قرش تاخد لك شهادة
بموت خالتك، وخلتك لسه حيه
وخمسين قرش تنهب.. أجزاخانة
من المستشفيات، القاهرية
وخمسين قرش يعفيك.. المفتش
من الغرمات ويشطب لك قضيه
وخمسين قرش تتبدل.. محاضر
بتهمه عليك، وتتحول عليه
وخمسين قرش شيخ حارتك يخلي
ولادك يهربوا.. م العسكرية
وخمسين قرش محفظتك، تعودلك
من النشال بالواسطة القوية
وخمسين قرش اكتب لك مقاله
بإنك من رجال.. العبقرية
ويكتب ‘بيرم التونسي’ في ديوانه الثالث ‘أزهار وأشواك’ قصيدة هي من أروع قصائد الأدب العربي الحديث واكثرها أصالة وتعبيرا، وهي قصيدة ‘الفلاحة’ التي تعتبر بحق علامة فارقة، وبيان يؤرخ لتباشير الحداثة الأولي في شعر العامية المصرية والتي تبرهن علي عبقرية هذا الشاعر، وقدرته الفذة علي التعبير والغوص وتقديم اكتشافاته الباهرة في بساطة وتواضع فيقول في قصيدته ‘الفلاحة’:
ما أنساش يابنت الريف
فضلك ياشملوله
علي البلاد والناس
ياعايشة مجهولة
دانتي ويمين.. الله
السيدة الاولي
اللي لها.. الحسنات
والفضل والمنه
![]()
|
|
ما انساش مدي الأيام
فضلك يافلاحه
دا هوانم، العمارات
زهقت من الراحة
وانتي اللي ليل ونهار
في الأرض كد احه
تروحي بالبلاص
وتعودي بمشنه
![]()
|
|
ياللي علي الأغراب
والأقربين.. هونتي
حته حصيرة، وزير
واقعد انا، وانتي
وانظم عليكي كلام
ما (ينظموش) دانتي
اللي اتسجن في جحيم
وأنا.. اللي في جنة
وأعتقد أن قصيدة ‘الفلاحة’ وقصائد أخري غيرها وبخاصة القصيرة منها قد شارفت تخوم الشعر، بتلك العلاقات التي تتشكل في العمق، والتي تمس عصب الشعر بمعناه الحقيقي، الذي يعبر عن رؤية متكاملة للواقع والحياة والكون… وأعتقد أن تلك الارهاصات هي التي ساهمت إلي حد كبير في الكشف عن تلك الطاقة الفعالة التي تختزنها العامية المصرية، والتي أهلته لأن يعبر المفصل التاريخي إلي برزخ الشعر بما يستوعبه من تمرد وظلال وأخيله ودلالات وأبنية ايقاعية ظاهرة وخفية.. كلها كانت تنتظر بلهفة ذلك المخلص، الذي سوف يحدث الإنقلاب الأكبر والأخطر في مجال التعبير بالعامية المصرية… ويجعلها اكثر قدرة علي التعبير عن واقع تلك العلاقات الجديدة التي يطرحها واقع لايكف عن التحول باستمرار.
من الاساري الهنوي
ومن ذلك نري ان فن ‘الموال’ قد امتلأ بطاقات اخري جديدة، حيث لم يهدف الي نقل فكرة محددة واضحة كل الوضوح، بل الي توصيل ‘حالة’ متوترة تتوسل بالصورة وحركة الكادر وكافة العناصر الفنية الاخري، وهو حين يعتمد علي التداعي في الصور، لايأتي ذلك التداعي عشوائيا بغير هدف، انما هو نوع من التداعي الخلاق الذي يهدف في النهاية الي تأكيد المعني العام بكل مستوياته المتنوعة.
ياغصن فات الشجر، ياللي بقيت شومه
وفضلت واقف علينا سجن وحكومة
ويقول في مقطع آخر من نفس الموال
ابيض علي اسود ملون افتكرته يمام
واي قافيه مادامت حلوه تتأمر
انا عبد، وان كنت بأسأل حرب ولاسلام
وانا حر، والاغنايا شبه مستعمر
ان عملية الاستبدالات المستمرة والانتقالات الحرة في العمق تنتقل بالقصيدة من مستوي سطحي مباشر الي مستوي آخر اكثر كثافة وغني، حيث ينبت الشعر من مياه جوفية عميقة لاحدود لها.. ولقد ساعدت ‘المخيلة’ الطاغية التي امتلكها الشاعر الاكبر علي خلق ذلك المزاج الشعري الذي تأتلف فيه الخيوط المتعارضة لتصنع لنا ذلك العالم العبقري المليء بكافة الاحتمالات.
مظاهر التحول الاعظم.
ولان ‘فؤاد حداد’ يدرك العالم علي نحو مختلف، فقد آمن بضرورة التجديد الشامل، اذ لم تعد القوالب التقليدية.
رغم ما تحمله من ثراء موسيقي غير قادرة في ظل رغبة دائمة في التحرر، علي التعبير الحقيقي عن جوهر التحولات الحاصلة وبضربة فأس واحدة تمكن الشاعر العبقري من تحطيم البناء التقليدي لقصيدة العامية، ليتحرر نهائيا ويحرر قصيدة العامية من الابنية التقليدية وليبدع معمارا جديدا، يمكنه استيعاب كافة الايقاعات البسيطة والمعقدة التي صارت علامة من علامات الشعر الحديث.. فكتب ‘حداد’ في سابقة لم تحدث من قبل القصيدة التفعيلة بالعامية في الوقت الذي لم يتصور فيه احد ان العامية قادرة علي ان تتخطي عتبة القوالب التقليدية المعروف والمألوفة التي ابدع بها بيرم.. وكان ذلك الاكتشاف المذهل الذي قام به فؤاد حداد ليزعزع الاسس القديمة (الكلاسيكية) لمفهوم الابداع بالعامية، ويكرس لمفهوم جديد مختلف ومخالف يقوم علي اساس العديد من الانشطة الخلاقة التي تزخر بها القصيدة، وعلي اساس فهم مختلف تماما لجوهر الفعل الشعري وماهية الابداع وكيفيات الكتابة التي راحت تستوعب اشكالا متنوعة من البني الايقاعية المتآلفة والمتعارضة في ان، مما فتح الباب واسعا لمشروعية الاجيال التالية في التجريب والمغامرة والابتكار.. لقد تأسس مفهوم ‘فؤاد حداد’ للشعر علي طرائق مبتكرة متوازنة، تهدف كلها الي تفعيل المستويات الداخلية والخارجية للقصيدة وشحنها بايقاعات جديدة غير ظاهرة توجه حركة القصيدة وتكسبها العديد من المعاني والاخيلة والدلالات، التي تجعل من الفعل الشعري طاقة مستمرة لاتنتهي بالانتهاء من كتابة القصيدة او قراءتها، بل تظل تتشكل باستمرار كلما اعدنا القراءة، ليصبح القاريء في النهاية عنصرا ايجابيا من عناصر البناء الشعري، كل ذلك يتم في اطار كيان موسيقي ملتئم يجمع بين كل المستويات المتعددة، ويقدمها في مقترح قابل للنمو والتكامل والانفتاح.
صف الشجر ع الجسر ما اروعه
ينهض كما الحلوين.. اذا ربعوا
كان فيه جدع يادوب حبتين
يقدر يؤلف كل شيء يسمعه
ياكتابها.. ياكتافها
تتجلي اعطافها في كل البلاد
ومجنون، وكان للخير بطل وسيوف
ومعني اخر ليل شهيد، الكيوف
وكان مجاور مرتجي شحات
الورد شحات الندي فيلسوف
قادر يؤلف كل شيء بيشوف
رجليكي فيه
وايديكي فيه
ويكتفك.. وتكتفيه
الدنيا عاشقه الفجر بتلوعه
خلد.. ولاطلعشي
|
ولان ‘فؤاد حداد’ يدرك العالم علي نحو مختلف، فقد آمن بضرورة التجديد الشامل، اذ لم تعد القوالب التقليدية.
رغم ما تحمله من ثراء موسيقي غير قادرة في ظل رغبة دائمة في التحرر، علي التعبير الحقيقي عن جوهر التحولات الحاصلة وبضربة فأس واحدة تمكن الشاعر العبقري من تحطيم البناء التقليدي لقصيدة العامية، ليتحرر نهائيا ويحرر قصيدة العامية من الابنية التقليدية وليبدع معمارا جديدا، يمكنه استيعاب كافة الايقاعات البسيطة والمعقدة التي صارت علامة من علامات الشعر الحديث.. فكتب ‘حداد’ في سابقة لم تحدث من قبل القصيدة التفعيلة بالعامية في الوقت الذي لم يتصور فيه احد ان العامية قادرة علي ان تتخطي عتبة القوالب التقليدية المعروف والمألوفة التي ابدع بها بيرم.. وكان ذلك الاكتشاف المذهل الذي قام به فؤاد حداد ليزعزع الاسس القديمة (الكلاسيكية) لمفهوم الابداع بالعامية، ويكرس لمفهوم جديد مختلف ومخالف يقوم علي اساس العديد من الانشطة الخلاقة التي تزخر بها القصيدة، وعلي اساس فهم مختلف تماما لجوهر الفعل الشعري وماهية الابداع وكيفيات الكتابة التي راحت تستوعب اشكالا متنوعة من البني الايقاعية المتآلفة والمتعارضة في ان، مما فتح الباب واسعا لمشروعية الاجيال التالية في التجريب والمغامرة والابتكار.. لقد تأسس مفهوم ‘فؤاد حداد’ للشعر علي طرائق مبتكرة متوازنة، تهدف كلها الي تفعيل المستويات الداخلية والخارجية للقصيدة وشحنها بايقاعات جديدة غير ظاهرة توجه حركة القصيدة وتكسبها العديد من المعاني والاخيلة والدلالات، التي تجعل من الفعل الشعري طاقة مستمرة لاتنتهي بالانتهاء من كتابة القصيدة او قراءتها، بل تظل تتشكل باستمرار كلما اعدنا القراءة، ليصبح القاريء في النهاية عنصرا ايجابيا من عناصر البناء الشعري، كل ذلك يتم في اطار كيان موسيقي ملتئم يجمع بين كل المستويات المتعددة، ويقدمها في مقترح قابل للنمو والتكامل والانفتاح :
صف الشجر ع الجسر ما اروعه
ينهض كما الحلوين.. اذا ربعوا
كان فيه جدع يادوب حبتين
يقدر يؤلف كل شيء يسمعه
ياكتابها.. ياكتافها
تتجلي اعطافها في كل البلاد
ومجنون، وكان للخير بطل وسيوف
ومعني اخر ليل شهيد، الكيوف
وكان مجاور مرتجي شحات
الورد شحات الندي فيلسوف
قادر يؤلف كل شيء بيشوف
رجليكي فيه
وايديكي فيه
ويكتفك.. وتكتفيه
الدنيا عاشقه الفجر بتلوعه
خلد.. ولاطلعشي
وفي كل قصائد ‘فؤاد حداد’ ينبت ذلك الحس الانساني الغامر الذي يرتفع في كثير من الاحيان ليصل حد التصوف، لكنه التصوف الذي يؤمن بقدرة الانسان، ويدرك المشترك الانساني العام، الذي يختفي فيه الظلم، ويغيب الطغيان، انه يغني مثل الجنين الذي لم يولد بعد.. غاية في النقاء والشفافية ومحبة الاخر:
تبارك الله ذو الجلال
الله رحيم
ان كنت باطمع
قلبي سليم
في عيني يلمع
نورالنعيم
وبودني اسمع
ادان بلال
تبارك الله ذو الجلال
الله ودود
احب وطني
من غير حدود
وأنقي قطني
من كل دود
وآخذ في حضني
كل العيال…
تبارك الله ذو الجلال
الله لطيف
تغنيني لقمه
من الرغيف
من جنس لؤما
وانا الضعيف
من اجل حكمه
اشيل جبال
تبارك الله ذو الجلال.
واضافة الي تلك الروح الودودة، المحبة، التي تسع كل العالم، فقد التحم ‘فؤاد حداد’ بقضايا امته، وكتب اجمل اشعار المقاومة، بحيث ضارت اشعاره كلها وقصائده بمثابة بتحريض علني ضد القبح والركاكة، والانتهازية، والابتذال، ولاول مرة.
ربما في تاريخ الشعر يلتحم الشاعر بالقصيدة، فلا توجد مساحة فاصلة بينهما، فيظل في حالة من الالهام لاتنقطع، ويصبح الشعر هو طوق النجاة الوحيد:
الفن ساس
بالرقة والاحساس
علي اساس ربك اراد الخير
كما يظهر الحس النضالي، وكأنه الوجه الاخر للجانب الانساني في كل قصائد ‘فؤاد حداد’ فالشهيد عنده هو الشاعر في الجنة ولأنه يكاد يقدس الشهيد فلاتخلو قصيدة من قصائدة عن الشهداء باعتبارهم ‘مبدأ الانسانية’ فكتب عن مأساة فلسطين قصائد لايمكن الا ان يكتب لها الخلود والبقاء:
ياأختي مخبأنا.. كوفيه
متشمسه.. ومتدفيه
يااختي مخبأنا.. عبابه
|
|
|||||||||||||||||
|
محمد كشيك
المغامرة الابداعية، هي المبدأ الأساسي الذي يحكم عملية الكتابة عند صلاح جاهين، فهو لا يضع قيودا مسبقة يمكن أن تعرقل تحركاته الداخلية والخارجية أثناء عملية التأليف والابداع، فالفعل الشعري يبدو مستقلا، دائما ما يمتلك قوانينه الخاصة التي تتجاوز الثبات النسبي للقالب الفني، فالشكل يكاد ينهزم أمام الموهبة الجارفة التي تتحرك في العمق، فتعيد تركيبه، بحيث يصبح مجرد مقترح قابل للتعديل والاضافة، والتغيير عبر عملية مستمرة من الاختبارات والاستبدالات اللغوية والفنية.
والمغامرة عند صلاح جاهين، لا تعني سوي الحرية، تلك الحرية التي تستعصي علي القولبة والنمطية والثبات، انها عند الشاعر فعل حركة وحياة وديمومة يعكس جدلية من العلاقات المتشابكة والمتناقضة البسيطة والمعقدة في آن، ولقد بلغت هذه الحرية حدودها القصوي عند رحيل الشاعر.
ان ارادة الشاعر الخالقة تفرض نفسها عند عملية الكتابة، لذلك تتعدد طرائق وأساليب الكتابة عند صلاح جاهين، فهو لا يكتب قصيدة واحدة يعيد انتاجها في كل مرة، لكنه حسب مبدأ الحرية يعيش حالة مستمرة من التجدد والتمرد والابتكار، فتبدو كل قصيدة من قصائده فعلا مختلفا ومخالفا، لا تشتبه ولا تتشابه مع باقي قصائده الاخري، ربما لأنها تستمد طاقاتها من مياه جوفية عميقة قادرة علي اغناء عالم الشاعر بحدائق نغمية وفنية لا يمكن لها أن تذل أو تنتهي أو تموت.
إن الشاعر يترك نفسه أثناء فعل الابداع، ليصل الي ذروة التوتر الانفعالي، لتصبح القصيدة مهيأة لكل أنواع الاحتمالات كما تمتلك القابلية للانفتاح علي تجارب متنوعة تضيف الي العالم الفني، الذي تتعدد مستوياته، وتتشكل علاقاته داخل عملية متشابكة ومعقدة بالغة التعقيد من الحذف المستمر، والهدم واعادة البناء، ومن التفكيك والتركيب، لتصل الينا القصيدة في شكلها النهائي لتتجلي فيها بوضوح ‘بصمة’ الشاعر، وعبقريته، وقدرته الدائمة علي تجاوز القوالب والاشكال، من أجل العثور علي ‘عروق الذهب’ الكامنة في نهر الحياة الفائض.
التحدي والاستجابة
والعملية الابداعية عند الشاعر العبقري ‘صلاح جاهين’ غالبا ما تعكس حركة دائمة من التحديات المختلفة، تواجهها علي نفس المستوي مجموعة من الاستجابات الخالقة.
فالثبات الظاهري للشكل المحدود الايقاعات، الذي يشكل تحديا دائما للشاعر، غالبا ما يقابله باستجابة تعكس مدي الحيوية التي تتأبي علي الجمود والثبات.
والقصيدة عند صلاح جاهين تتبدي فيها بوضوح تلك المعركة المستمرة، التي تدور رحاها بين الشاعر المتمرد، الذي يريد أن يفرض علي القصيدة هذه الحيوية الكامنة والنشاط الايقاعي المتوتر، وبين الشكل الثابت والساكن الذي يريد قمع الشاعر، وسجنه، والابقاء عليه بداخل حدوده الضيقة
وصفة الشاعر
ولعلنا اذا اقتربنا قليلا من عالم ‘صلاح جاهين’ لنعاين بعض اكتشافاته الفنية، نلاحظ تلك المقدرة الهائلة علي التنويع في الاداء، فالصورة الجزئية تتنافر أحيانا، مع باقي الصور الاخري لنحصل في النهاية علي صورة فنية متكاملة، تتآزر فيها ومن خلالها جميع المعطيات لتمنح ذلك البعد الخاص والمذاق المتميز، الذي تتسم به معظم قصائد صلاح جاهين.
وحتي يمكن أن نقترب بشكل أكثر وضوحا من أجل التعرف علي ‘وصفة’ صلاح جاهين، فسوف نحاول أن ندخل في قراءة سريعة متعجلة لاحدي قصائده ‘قصيدة’ والتي يمكن من خلالها أن نلقي الضوء علي بعض من ملامحه الفنية ومجمل رؤاه الابداعية.
انه في القصيدة يأخذ بيد المتلقي عبر شاطيء منبسط سهل، غير مقيد بتحركات مفاجئة، وهو لا يخدعه، انما يحاول أن يغريه ويجذبه الي عالمه المدهش فيقول في البداية:
في يوم من الأيام راح اكتب قصيدة/
ويستمر الشاعر في تداع خلاق، ليوضح ماهية تلك القصيدة التي يريد أن يكتبها، ويبدأ المعني بسيطا لا يحتاج إلي أي جهد أو تأمل..
عن السماء/ عن وردة علي راس نهد/ عن قطتي/ عن الكمنجة الشريدة/ عن نخلتين فوق في العلالي السعيدة.
وبعد ذلك يتجه المعني من البساطة إلي التركيب، وتبدأ النغمات والايقاعات في التحول لتواكب ذلك التعقيد البنائي الذي يوجه الصورة باتجاهات مختلفة ومخالفة.
عن عيش بيتفتفت في أودة بعيدة،
عن مروحة من الورق،
عن بنت فايرة من بنات الزنج،
عن السفنج،
عن العنب،
عن الهدوم الجديدة،
عن حدايات شبرا،
عن الشطرنج
وتستمر القصيدة في جلب الصور المتآلفة والمتناقضة، لتشكل في النهاية بؤرة الفعل الشعري، الذي يشغي بالعلاقات التي تمنح القصيدة حضورها وحيويتها وخصوصيتها أيضا، كما يبدأ الايقاع في استقطاب الصور الجزئية، لاعادة تجميعها في عالم شعري أخاذ:
عن برطمان أقراص منومة/ عن مهر واثب من علي سور حديد/ وف بطنه داخله الحديدة/
ان الشاعر يبدو هنا مثل الساحر الذي يفاجئك دوما بما ليس في الحسبان، ليجعلك في دائرة الترقب والتوقع، مبهورا، منجذبا، إلي ما سوف يجيء من احتمالات، والشاعر في كل هذا مثل الطائر المحلق، يصعد الي أعلي الأعالي كي يتمكن من الرؤية جيدا، وحينما يبدأ في رصد هدفه، يهبط منقضا علي فريسته ليحصل في النهاية علي كنوزه الفنية.
ولعل أهم ما يميز الوصفة الشعرية لصلاح جاهين، هي تلك القدرة المعجزة علي اعتصار طاقة اللغة وما يمكن أن تمنحه من طاقة تساهم في بنائية العمل الفني، وشحنة بتلك القوة الهائلة في العمق والتي تجعل القصيدة قادرة علي الفعل الشعري مهما تعاقبت السنوات والدهور والأجيال،
وتعتبر خاتمة القصيدة درسا لكل من يمارس فعل الكتابة الفنية، فبعد العديد من التوقعات التي أوردها الشاعر، فها هو يباعتنا مرة أخري في نهاية
القصيدة بنتيجة لم تكن في الحسبان، لكنها تتسق مع رغبة الشاعر في اللعب، وقدرته علي المغامرة، وحبة للتمرد الذي هو الدافع الحقيقي لحالة الابداع الهائلة لديه، فيقول في نهاية القصيدة:
عن طفل بقميص نوم
عن قوس قزح بعد الصلا في العيد
ح اكتب قصيدة
ح اكتبها وان ما كتبتها ش أنا حر
الطير ما هو ش ملزوم بالزقزقة
وفي معظم قصائد صلاح جاهين هناك مستويات متعددة للفعل الشعري، فالقصيدة تبدأ من الداخل عبر منطقة مظلمة لا يكاد يعرفها الشاعر نفسه، وتبدو مثل بذرة مؤهلة للتفتح، سرعان ما تنفجر حينما يصادفها لحظة مواتية، فتدب فيها الحياة، وتأخذ في الانبات، لتندفع الجذور الصغيرة بداخل المناطق المعتمة وتتشكل مجالات الحركة، وحينما تكون متأهبة الخروج، يندفع الدفق الحي إلي أعلي متناغما مع طاقة الحياة، يستمد طاقته المتجددة من تلك الجذور العفية التي تشكلت في العمق، ثم اندفعت الي السطح لتكتسب ملامحها الجديدة، وأبعادها المتجددة، تماما مثل الزهرة التي تكمن في رحم الأرض، وفي الربيع تطلق وجه خضرتها لتهزم خرائب بأكملها،
يقول الشاعر في قصيدته البديعة : ‘كلام إلي يوسف حلمي’
———
أنا باتكلَّم م الشارع
والشارع فيه جامع
والجامع مبني بقاله ميات م الأعوام
إنما شبابيكه كلام
وعرايس أفريزه كلام،
وحيطانه
والمعمارجي اللي بناه واقف قدامه وبيكلمني
بيمد لي أيده، بياخد كبريت مني
بيولع.. وبيضرب لي سلام..
ياسلام!
هذا العام
مش نافع حج
———————–
تحت الليل، مش لابس سُتره
ماشى فى قلب النار سقعان
ولا فيه حد جدع، أو عتره
مش شايف ريحة الجدعان
عايز مره فى عمرى، لو اغلط
ماشى مبهدل.. توبى مرهرط
شارب بنج فى عقلى جِنان
جنب الحيطة
باعيش، وباعيط
باتنفس حزن، ودخان
مش دريان..
باعمل مستعبط
مستعبط، ومانيش دريان
الوطاويط عمّاله توطوط
وبتنبح فوقى الغربان
كل فطورى الصابح..
شايط
نازل حزنى كأنه سبايط
ولا حسيت أبدا بأمان
باتبعتر على طول واتبعزق
أنا واحد..
.. إنما باتجزأ
وبادوب فى رمادى الألوان
شارب بنج، فى عقلى جنان
مصارينى فى بطنى.. بتتلوي
بانده نور الشمس بقوه
وباموت من غير استئذان
مصلوب فوق جدران الكوفه
شايل بيرق
ماسك لوفه
وسحورى فى رمضان حمضان
باتكلم، وبحيرى اللهجه
وباماين.. وصعيدى اللهجه
العيد مالهوش أيها بهجه
والشاعر فتح الدكان
الشاعر عامل إعلان
كل دقيقة، الغيم بيدلّس…
باقعد ع السطح..
وباتشمس
باستنى الفجر القلقان
باستنى، الضى من الآن
شايل شمس فى عبّى وباهمس
شايف: ناس فى الطين موحوله
وغيلان ماشيه بعينها الحولا
ورجال من غير
أى فحوله…
الديب بيسوق.. الحملان
وأنا مصلوب من غير صلبان
فاتح عينى لا كين مش فايق
المشهد قدامى حرايق
ولا شايف أشجار وحدايق
اللون غايب م الألوان
نفسى أحس فى يوم، بأمان
كل الأبواب فجأة اتقفَلتْ
أما الشمس قصادى، فأفلت
عايز أهرب م النار، وافلت
والعالم بيقول: ما خلاص
اتوقف رقاص الساعه
فى الساعه اتوقف رقاص..
كل دقيقة الغول.. بيغوّل
ولا عدتّش باحلم، كالأول
متكتفه ايدى يا إخلاص
واليمامات جوه الأقفاص
باصحى وكل عيونى عماص
اتوقف بندول الساعة..
وأنا أصبحت كأنى إشاعه
أنا أصبحت.. كما الفزاعه
بامشى كأنى خيال فى خيال
أنا ميّت مقتول فى شوال
من غير بنج لوحدى، باخطرف
عندى وطن مجروح وعيال
باغرق تحت الموج، واتشال
وارقص وأنا مدبوح التانجو
وباشيل نعش تقيل على كتفي
دايخ من غير بودره
وبانجو…
وباروح، وأنا عارف على حتفي
وباخطرف
فى الحلم.. باخطرف
نفسى من المذبحه، لو أنجو
أنا مش قادر أحرّك كتفي
أصل تقيل
على كتفى النعش
رايح وأنا مبسوط، على حتفي
وفى إيدى المغلولة كلبش
باخسر دايما، ولا باكسبش
حدفونى..
بصواريخ على دبش
وكلاب الدنيا المسعوره
فاتحه نيابها، ما بتهبهب
———————————————
- احوال محمد كشيك " نصوص "










