- احوال محمد كشيك ” نصوص ”

كتبها محمد كشيك ، في 4 يوليو 2009 الساعة: 03:14 ص

 

غياب الحضور
حضور الغياب
                ( أحوال  ) محمد كشيك
 
مقدمــة:
 أبدأ بسؤال رولان بارت ( من أين نبدأ ؟ )
 من أين نبدأ فى نصوص رمادية ، مضادة فى الغالب ، يمتد مسارها من المعقولية إلي الهوس ، ومن الوسواس إلي الهرب ، عبر فضاءات نصية متأزمة ، ينحدر فيها الكاتب للداخل حتي الغياب ، أو يستكين زمكانيا فى أفضل حالاته ، فيباغته الماضي ويضغط عليه لاغياً آنيته أو ملازما لها بدرجة تتفاوت فى مقدار كشفها للواقع من خلال التأمل والاستقراء أو التنبؤ . ويتم ذلك من موقع ملتبس ضبابي ، حلمي إلي حد كير .
لم أكن حاضراً ، لم أكن غائبا .كنت بين الحضور وبين الغياب  درويش من هذه المنطقة بين الوعي واللاوعي ، يبدأ كشيك في نسج خيوط عوالمه الحلمية ، الكابوسية علي الأكثر ، فيردنا إلي الجملة التى أعلنها الكاتب الكولمبي الشهير جابرييل جارثيا ماركيز( السلطان المطلق للمخيله ) وكما شرحها فى حوار معه قال ( إن حرية التخيل مدهشة ، والواقع يثبت أن المخيلة علي حق ) (1) .
إن مدخلاً كهذا لا يعفي من معاينة فضاءات النصوص وجسد الكتابة ورموز السياق المتعددة ، عبر منهجية تقسيم ابتعها المؤلف فى عمله الإبداعي بشكل واضح ، يتجلي فى مخطط العمل الذي ينقسم إلي ثلاثة أجزاء ، يوصف كل منهم بأنه حالة وكل حالة تحمل عنواناً خاصا بها أشبه ما تكون بسمتها العامة ، التى تندرج تحتها أعداد مختلفة من نصوص قصيرة فى الغالب ذات عنواين مختلفة .
 
الحالة الأولي - تهيؤات :
 
تحت هذه الحالة يندرج ستة وعشرون نصا قصيراً ، يرتدون عباءة الحلم ولا يتحدثون إلا من خلاله بلغة رمزية ، متأملة ومترقبة ، حذرة وقلقة ، كابوسية فى معظم الحالات . جميعها لا يخرج عن نطاق الإدراك البصري الذي يتعانق فيه التجريدي والتعبيري ، البسيط والمستحيل ، اللحظة ونفيها فيتسع المدي وتتنوع العوالم عبر النصوص لتعطي رؤاها .
أ- التأملية كما فى ( الزنجية ، الصندوق ، الشمس الكبيرة ..إلخ).
ب- التحذيرية التى تكتفي بالرصد فقط أو تتعداه إلي حيز التحقيق مثل ( المراسيم ، الغرق ) .
ج- الكشفية التى تؤدي إلي التراجع أو الهرب مثل نصوص       ( الكهف ، الاحتفال ، أبواب الخروج ) .
د- الانهزامية التى تقود إلي الإنكسار أو الخوف كما في ( تهيؤات - الشجرة الجزيرة إلخ ) وهنا يجب أن نشير إلي خصوصية هذه الحالة واختلافها الشديد عن الجزئين التاليين لها، إذ تعتبر أحدث ما كتب كشيك مقارنة بتواريخ الحالة الثانية والثالثة وبذلك توافرت لها الأدوات المكتملة ، التىأعطت نسيجاً شفافا ظهرت إرهاصاته فى نسيج الحالة الثانية بشكل واضح والثالثة بشكل ملحوظ .
 
1- النص / الإختلاف / التلقي :
 
لعلني في هذا الصدد سوف أفر من منطقة التشابك مع إدوار الخراط ، وبدر الديب ومنتصر القفاش بكل ما تعنيه هذه المنطقة من مسارات مختلفة يجمعها هواء واحد يتمثل فى المصطلحات الخاصة      ( كالكتابة العبرنوعية ، أو ثنائية القصة القصيدة أو حتي قصيدة النثر) والذي يساعدني علي ذلك لغة الحلم التى تقال بها معظم النصوص ، فتحيلنا مباشرة إلي إصحاب نظرية الاستقبال Reception theory (2)، وأفق التوقع بالذات " هانز روبرت ياوس " الذي طرح هذا المصطلح بوصفه أساساً للقراءة والتفسير ومن ثم أساساً لإبداعية النص.
وهو مفهوم يضع منظومة التوقعات والافتراضات الأدبية والسياقية التى تكون مترسبة فى ذهن القارئ حول نص ما جانباً ، قبل الشروع فى قراءة النص، وهي فروض وتصورات قد تكون فردية لدي شخص محدد حول نص محدد ، وقد تكون تصورات يحملها جيل أو فئة ما من القراء عن نص أو نصوص بحيث يستقلبونها وهم محملون حولها بهذه التصورات التى تشكل أفق التوقع ويأتي النص الأدبي علي أساس ما سماه ياوس " بالمسافة الجمالية Esthelic distance  وهي مقدار مخالفة النص لتوقعات القراء حيث يسمو النص إبداعيا حسب حجم الاختلاف ويتراجع إبداعيا حسب اقترابه من التوقع . إذن فعلينا أن نقرأ النصوص فى مواجهة الطبع Against The grain  -كما يقول ياوس. إذا عكسنا النص فى مواجهة المطبوع فى الذهن عنه فسوف نتبين ما هو جاهز ومعاد فيه وما هو منجز ابداعيا ، وسنتبين المسافة الجمالية فيه وعلي هذا سندخل إلي النصوص التى حيرت مؤلفها فيما أعتقد فصدرها لنا كما هي تاركا مهمة التنقيب والتصنيف للمتلقي .
 
2- الواقع / الحلم / غياب الحضور :
 
بعد القراءة الكلية للحالات الثلاثة وتتبع أهم ملامحها سنجد أن الواقع المعاش قاسم مشترك أعظم ، يعطي للنصوص أبعاداً تختلف حسب درجة تفاعل الذات المبدعة معه وانشغالها به حتي ولو كان بشكل حلمي غير مباشر كما في الحالة الأولي : حيث تفتح نافذة علي الذاكرة المضادة فتهرب منها رموز لكوامن الذات العاجزة عن تغيير واقعها المحبط الذي لا تمل تأمله ورصده فتخرج كل كوامنها من آمال وتوترات ونزعات عدوانية ومخاوف عبر ( الحلم ) الذي هو بنص فرويد ( طريقة للتعبير عن المخاوف والآمال والرغبات الموجودة في  اللاشعور) (3) وبذلك يكون لدينا عدة أنواع للأحلام نستطيع تتبعها عبر النصوص. هناك مثلاً ( الأحلام الواقعية ) (4) التى يؤكد تفسيرها المواقف الحالية التى يعرفها الحالم . والتى تتضح فيها فى نص " الجزيرة " نقرأ مثلا ( ذلك المائل هناك يرمي بالحراديف ، فتخرج فارغة ، يعود بإصبعه المجروح ، والجزيرة التى لا تفارقه تقترب وتبتعد والعصافير التى تحن للأوكار وتشرئب فى انتظار النهار )      ص 40 .
هذه المفردات الرمزية فى مقابل ( الفخاخ التى تنفتح فجأة والدوامات التى لا تتوقف والزعانف التى تضرب الماء بقوة ) ص 40 تصل فى النهاية إلي الرجل الذي يجلس علي الشاطئ ، يرتدي قبعة مهدلة الأطراف والدماء التى تنزف . كحالة من الانهزام تتضافر مع نص " الشمس الكبيرة " حيث ( العصافير الملونة المعلقة فى فضاء الغرفة ، الروائح المبكرة للزهور الشتوية تملأ المكان ، كل شئ يبدو متألقا بادي النصوع مليئا بالحياة ) ص 42 فى مقابل مفردات أخري واضحة الدلالة ( الصندوق هو الذي كان يضايقني ، فلم يعد بوسعي التحرك لأكثر من بوصة واحدة وكانت قدمي تؤلمني ، ويداي مضمومتان لا يمكنني أن أحركهما فى أي اتجاه ) ص 42 .هذه الحالة من القيد والاختناق تبعث علي الغياب وتضغط حد الانفصال عن الواقع الذي يحياه لدرجة لا يعرف معها هل كان بكامل ملابسه أم عاريا ، رغم أنه يدرك جيدا ما يدور حوله فلا يكون ( بشكل اسقاطي للحاله ) إلا الشمس الكبيرة الملونة التى تتأهب للرحيل كرمز يؤول بسهولة .
وتتبلور الحالة أكثر عبر نص " الكهف " بإيحاءاته القرآنية وتظهر الذات التى تكتشف الواقع المحبط وكأنها قادمة من عالم آخر لا ينتبه إليها أحد ، فيسرق منها أمانها ليبقي منها ( كائن غريب منقرض يتحرك بعداء وخوف وسط فضاء محفوف بالهلاك ) ص 35 وهنا يجب أن نشير إلي أن الغالبية العظمي من علماء النفس المحدثين مثل ( إميل هوتايل ، ويلهم سبتكل ، كارل جونج ) (4) يؤمنون بأن " الأحلام تدل علي معان رمزية يمكن ترجمتها " وأن مفسر الأحلام الجيد فى رأي أرسطو هو من ( يملك القدرة علي ملاحظة التشابه ) (5) .
عدد آخر من النصوص يدخل تحت مظلة نوع ثانٍ من الأحلام يطلق عليه ( أحلام التحذير ) (6) لأن تفسيرها يحدد عادة طبيعة خطر مقبل فهي تنتج من استقراء الواقع بزاوية رؤية مختلفة ، تؤدي إلي استنتاج أشياء مختلفة عن السائد ولكنها تتحقق فى الغالب .. من هذه النصوص نص ( المراسيم ) الذي يتم فيه الرصد لواقع ما بمفردات تشف ولا تكشف ، فهناك عالم ما يختفي خلف باب لا يسمع عبره        ( كلما فتح ) سوي ضجة مكتومة لآلة لا ندري كنهها اللهم إلا صوت التروس والجرافات وهناك طوابير أمام هذا الباب تحلقوا حول شجرة الترسيم صفوف متراصة ( بأرديتهم البيضاء ، التى تصل إلي الركبتين، أعمارهم صغيرة لم تنبت لهم لحية ، كانوا يتحركون بآلية دونما أي تذمر ) ص 20 وهناك من قاموا بإعداد كل شئ حتي يتم ترسيمهم فيتحولون إلي كائنات هشة ، تتحرك خلف الباب فى صمت وريبة . أضف إلي ذلك التحذير الخفي من الأعداد التى تنتظر فتح البوابة ، تقف فى طوابير وهي تهلل فرحة بالخلاص ، والدخول إلي هذا العالم السري .
نص آخر يتعدى حد الرصد إلي التحقق وهو نص ( الغرق ) الذي يقودنا إلي رؤيتين مختلفتين للواقع احداهما تحذر والأخري تستهين ، حتي يتحقق ما كان يُحذر منه وتصدق الرؤيا ( أخبرتها أن التواجد فى هذا المكان أصبح خطراً / تبتسم وتطلق ضحكتها الرائقة ) ( كان المنسوب يرتفع فتوسلت إليها / راحت تراقب بفرح طفولي الدوامات ) بينما أتابع بفزع تحركات المياه وهي تندفع مثل الشلالات لتزيح من أمامها كل شئ . ص 7 .
بعض النصوص تنفلت من تصنيفات الأحلام المعروفة فتستعصي علي التفسير أو القراءة وقد اعترف فرويد نفسه أن ثمة أحلام لا تفسر وتمادي فى ذلك يونج بشكل أكثر وضوحاً وربما تعميماً (7) يظهر ذلك فى نصى  ( الزنجية ) و ( الصندوق ) فى الزنجية يبدأ السرد بمكان واقعي ملموس ، وحدث حياتى هو الاستحمام ، للزنجيةالتى تتلصص عليها الأطفال أثناء ذلك فتفتح لهم النافذة علي آخرها ثم تنقلب فجأة المفردات فنشاهد ( أسراب الكروان حين ترفرف قليلاً وتحط بالقرب منها ثم تبدأ فى التسبيح الجميل لمالك الملك ويحل الصمت العميق، ويسود خشوع وتتملكنا الرهبة ونحن نري الأعداد الغفيرة من الهداهد الملونة تقترب منها ، وتمشي بتيه وخيلاء ) ص 8 أيضا فىنص الصندوق . نفس البداية المحددة لمكان حقيقي نكتشف أن به شخص صغير الحجم ( بملامح الطفل التى لا تفارقه ، تلك الابتسامة الوادعة ، ذقنه الحليقة دائما لكن حجمه أصبح صغيراً إلي الحد الذي أمكن وضعه داخل الصندوق ) ص 10 . لا يتوقف الأمر عند هذا الكشف بل يتم الاحتفاظ بالصندوق مرة أخري ( بما فيه ) فى مكان بحفرة تحت الشجرة ينتهي النص الإبداعي فى هذا الإطار ولا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

” فؤاد حداد - التحولات الكبري ” محمد كشيك

كتبها محمد كشيك ، في 18 مايو 2009 الساعة: 09:27 ص

 " فؤاد حـــــــــداد - التحولات الكبري "

 ————————————————- 

محمد كشيك

———-
لقد اكتملت ملامح فن الزجل علي يد الشاعر العبقري ‘بيرم التونسي، ولم يعد بمقدور أحد أن يضيف شيئا إلي ما قدمه بيرم التونسي في هذا المجال.. إذ إمتلك هذا الشاعر موهبه إستثنائية، تتميز بالفرادة والحساسية والقدرة علي التصوير وإلتقاط العناصر الجوهرية التي كانت تتغلغل بداخل المجتمع المصري في هذا الوقت، حيث تكاتف الجميع من أجل البحث عن ملامح مصرية صميمة تميز جميع الأنواع الأدبية.. فظهر الموسيقار ‘سيد درويش’ الذي راح يبحث بإستماتة عن خصائص هذا الصوت، وترافق هذا النزوع مع بحث المثال ‘محمود مختار’ الذي عثر علي ضالته في تلك الإكتشافات المبكرٌة، إذ عرض التمثال المصغر لنهضة مصر في صالون باريس عام 1920، ثم جاءت مدرسة الفجر عام 1925، والذي كان شعارها ‘الهدم من أجل البناء’ لتبحث عن صيغة مناسبة يمكن من خلالها التعبير بواسطة الفن القصصي عن ذلك الواقع الجديد الذي بدأ يعلن عن تجلياته بإستمرار..


وظهر، بيرم التونسي ‘ ‘ وسط هذه الروح المتوثبة ليحاول العثور علي ذلك الصوت الخاص الذي بدأ يتغلغل عميقا بداخل هياكل المجتمع، المتطلع إلي إكتشاف ذاته بعدما عاني طويلا من الإنقسام والتمزق وفقدان القدرة علي التعبير عن نفسه.

وكانت موهبة بيرم التونسي من القوة بحيث تعرف علي طريقه مبكرا، ولم يستلزم الإعداد وقتا طويلا حتي أصبح علما في مجال التعبير بالزجل… وإستوعبت واعيته البصيرة بسرعة مذهلة معظم الكتابات الفنية التي سبقته إذ كان يتمتع بقدرة مدهشة علي الالتقاط والاستيعاب والتعبير عن نفسه بكافة الأشكال الفنية المعروفة في هذا الوقت.. وإضافة إلي ما تعلمه بيرم من الزجالين السابقين، فقد تمكن أن يطور من القوالب والأشكال القديمة ليجعلها اكثر ملاءمة للتعبير عن مشكلات الحياة اليومية وقضايا الواقع المعاش.. لقد إمتلك بيرم التونسي وعيا عميقا بطبيعة العلاقات الانسانية والاجتماعية والسياسية، وإدرك علي نحو يقيني أهمية الشعر في مقاومة الظلم الاجتماعي السائد، ودوره في تحريض البشر ضد القبح والبشاعة في جميع أشكالها المختلفة، لذلك فقد إختار بيرم الصدام منذ اللحظة الأولي، وأصبح المتمرد الأعظم علي كل ما في المجتمع من سلبيات لايمكن السكوت عليها.. وتميزت قصائد ‘بيرم التونسي’ بقدرة فائقة علي إستيعاب تناقضات المجتمع والتعبير عنها بدقة وعمق وإحكام، وعلي الرغم من تلك الانشغالات المتلاحقة بالوقائع والأحداث اليومية، إلا أن ‘بيرم التونسي’ قد قدم إسهامات كبري في تطور البني والإيقاعات الشعرية، حتي أن عروق الذهب يمكن أن نلمحها بيسر وسط كل تلك القصائد الساخرة التي تكشف العديد من المثالب الاجتماعية، الي الدرجة التي أصبحت هذه القصائد وبما تمتلكه من طاقة شعرية قادرة علي أن تتجاوز العصور لتصل إلينا، ماتزال تحمل قدرتها علي التجاوز والنفاذ والمرور عبر الأزمنة، لتصل إلينا، وكأنما قد تمت كتابتها في التو واللحظة، فيقول في قصيدة: ‘بخمسين قرش : 


بخمسين قرش ترفع ميكروفونك
لوش الفجر، وزيادة شوية
وخمسين قرش توضع، نص درهم
في جيب خصمك، وترميه في بليه
وخمسين قرش تاخد لك شهادة
بموت خالتك، وخلتك لسه حيه
وخمسين قرش تنهب.. أجزاخانة
من المستشفيات، القاهرية
وخمسين قرش يعفيك.. المفتش
من الغرمات ويشطب لك قضيه
وخمسين قرش تتبدل.. محاضر
بتهمه عليك، وتتحول عليه
وخمسين قرش شيخ حارتك يخلي
ولادك يهربوا.. م العسكرية
وخمسين قرش محفظتك، تعودلك
من النشال بالواسطة القوية
وخمسين قرش اكتب لك مقاله
بإنك من رجال.. العبقرية


ويكتب ‘بيرم التونسي’ في ديوانه الثالث ‘أزهار وأشواك’ قصيدة هي من أروع قصائد الأدب العربي الحديث واكثرها أصالة وتعبيرا، وهي قصيدة ‘الفلاحة’ التي تعتبر بحق علامة فارقة، وبيان يؤرخ لتباشير الحداثة الأولي في شعر العامية المصرية والتي تبرهن علي عبقرية هذا الشاعر، وقدرته الفذة علي التعبير والغوص وتقديم اكتشافاته الباهرة في بساطة وتواضع فيقول في قصيدته ‘الفلاحة’:


ما أنساش يابنت الريف
فضلك ياشملوله
علي البلاد والناس
ياعايشة مجهولة
دانتي ويمين.. الله
السيدة الاولي
اللي لها.. الحسنات
والفضل والمنه


 


ما انساش مدي الأيام
فضلك يافلاحه
دا هوانم، العمارات
زهقت من الراحة
وانتي اللي ليل ونهار
في الأرض كد احه
تروحي بالبلاص
وتعودي بمشنه


 


ياللي علي الأغراب
والأقربين.. هونتي
حته حصيرة، وزير
واقعد انا، وانتي
وانظم عليكي كلام
ما (ينظموش) دانتي
اللي اتسجن في جحيم
وأنا.. اللي في جنة


وأعتقد أن قصيدة ‘الفلاحة’ وقصائد أخري غيرها وبخاصة القصيرة منها قد شارفت تخوم الشعر، بتلك العلاقات التي تتشكل في العمق، والتي تمس عصب الشعر بمعناه الحقيقي، الذي يعبر عن رؤية متكاملة للواقع والحياة والكون… وأعتقد أن تلك الارهاصات هي التي ساهمت إلي حد كبير في الكشف عن تلك الطاقة الفعالة التي تختزنها العامية المصرية، والتي أهلته لأن يعبر المفصل التاريخي إلي برزخ الشعر بما يستوعبه من تمرد وظلال وأخيله ودلالات وأبنية ايقاعية ظاهرة وخفية.. كلها كانت تنتظر بلهفة ذلك المخلص، الذي سوف يحدث الإنقلاب الأكبر والأخطر في مجال التعبير بالعامية المصرية… ويجعلها اكثر قدرة علي التعبير عن واقع تلك العلاقات الجديدة التي يطرحها واقع لايكف عن التحول باستمرار.


من الاساري الهنوي


ومن ذلك نري ان فن ‘الموال’ قد امتلأ بطاقات اخري جديدة، حيث لم يهدف الي نقل فكرة محددة واضحة كل الوضوح، بل الي توصيل ‘حالة’ متوترة تتوسل بالصورة وحركة الكادر وكافة العناصر الفنية الاخري، وهو حين يعتمد علي التداعي في الصور، لايأتي ذلك التداعي عشوائيا بغير هدف، انما هو نوع من التداعي الخلاق الذي يهدف في النهاية الي تأكيد المعني العام بكل مستوياته المتنوعة.


­ ياغصن فات الشجر، ياللي بقيت شومه
­ وفضلت واقف علينا سجن وحكومة
ويقول في مقطع آخر من نفس الموال
ابيض علي اسود ملون افتكرته يمام
واي قافيه مادامت حلوه تتأمر
انا عبد، وان كنت بأسأل حرب ولاسلام
وانا حر، والاغنايا شبه مستعمر
­ ان عملية الاستبدالات المستمرة والانتقالات الحرة­ في العمق­ تنتقل بالقصيدة من مستوي سطحي مباشر الي مستوي آخر اكثر كثافة وغني، حيث ينبت الشعر من مياه جوفية عميقة لاحدود لها.. ولقد ساعدت ‘المخيلة’ الطاغية التي امتلكها الشاعر الاكبر علي خلق ذلك المزاج الشعري الذي تأتلف فيه الخيوط المتعارضة لتصنع لنا ذلك العالم العبقري المليء بكافة الاحتمالات.


مظاهر التحول الاعظم.


­ ولان ‘فؤاد حداد’ يدرك العالم علي نحو مختلف، فقد آمن بضرورة التجديد الشامل، اذ لم تعد القوالب التقليدية.
­ رغم ما تحمله من ثراء موسيقي­ غير قادرة في ظل رغبة دائمة في التحرر، علي التعبير الحقيقي عن جوهر التحولات الحاصلة وبضربة فأس واحدة تمكن الشاعر العبقري من تحطيم البناء التقليدي لقصيدة العامية، ليتحرر نهائيا ويحرر قصيدة العامية من الابنية التقليدية وليبدع معمارا جديدا، يمكنه استيعاب كافة الايقاعات البسيطة والمعقدة التي صارت علامة من علامات الشعر الحديث.. فكتب ‘حداد’ في سابقة لم تحدث من قبل القصيدة التفعيلة بالعامية في الوقت الذي لم يتصور فيه احد ان العامية قادرة علي ان تتخطي عتبة القوالب التقليدية المعروف والمألوفة التي ابدع بها بيرم.. وكان ذلك الاكتشاف المذهل الذي قام به فؤاد حداد ليزعزع الاسس القديمة (الكلاسيكية) لمفهوم الابداع بالعامية، ويكرس لمفهوم جديد مختلف ومخالف يقوم علي اساس العديد من الانشطة الخلاقة التي تزخر بها القصيدة، وعلي اساس فهم مختلف تماما لجوهر الفعل الشعري وماهية الابداع وكيفيات الكتابة التي راحت تستوعب اشكالا متنوعة من البني الايقاعية المتآلفة والمتعارضة في ان، مما فتح الباب واسعا لمشروعية الاجيال التالية في التجريب والمغامرة والابتكار.. لقد تأسس مفهوم ‘فؤاد حداد’ للشعر علي طرائق مبتكرة متوازنة، تهدف كلها الي تفعيل المستويات الداخلية والخارجية للقصيدة وشحنها بايقاعات جديدة­ غير ظاهرة­ توجه حركة القصيدة وتكسبها العديد من المعاني والاخيلة والدلالات، التي تجعل من الفعل الشعري طاقة مستمرة لاتنتهي بالانتهاء من كتابة القصيدة او قراءتها، بل تظل تتشكل باستمرار كلما اعدنا القراءة، ليصبح القاريء­ في النهاية­ عنصرا ايجابيا من عناصر البناء الشعري، كل ذلك يتم في اطار كيان موسيقي ملتئم يجمع بين كل المستويات المتعددة، ويقدمها في مقترح قابل للنمو والتكامل والانفتاح.


صف الشجر ع الجسر ما اروعه
ينهض كما الحلوين.. اذا ربعوا
كان فيه جدع يادوب حبتين
يقدر يؤلف كل شيء يسمعه
ياكتابها.. ياكتافها
تتجلي اعطافها في كل البلاد
ومجنون، وكان للخير بطل وسيوف
ومعني اخر ليل شهيد، الكيوف
وكان مجاور مرتجي شحات
الورد شحات الندي فيلسوف
قادر يؤلف كل شيء بيشوف
رجليكي فيه
وايديكي فيه
ويكتفك.. وتكتفيه
الدنيا عاشقه الفجر بتلوعه
خلد.. ولاطلعشي


المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

” فؤاد حداد - شاعر الشعراء ” محمد كشيك

كتبها محمد كشيك ، في 15 مايو 2009 الساعة: 06:47 ص

 

فؤاد حداد- شاعر التحولات الكبري            
محمد كشيك                            
 
               ——                           
                              
 لقد اكتملت ملامح فن الزجل علي يد الشاعر العبقري ‘بيرمالتونسي، ولم يعد بمقدور أحد أن يضيف شيئا إلي ما قدمه بيرم التونسي في هذاالمجال.. إذ إمتلك هذا الشاعر موهبه إستثنائية، تتميز بالفرادة والحساسية والقدرةعلي التصوير وإلتقاط العناصر الجوهرية التي كانت تتغلغل بداخل المجتمع المصري فيهذا الوقت، حيث تكاتف الجميع من أجل البحث عن ملامح مصرية صميمة تميز جميع الأنواعالأدبية.. فظهر الموسيقار ‘سيد درويش’ الذي راح يبحث بإستماتة عن خصائص هذا الصوت،وترافق هذا النزوع مع بحث المثال ‘محمود مختار’ الذي عثر علي ضالته في تلكالإكتشافات المبكرٌة، إذ عرض التمثال المصغر لنهضة مصر في صالون باريس عام 1920، ثمجاءت مدرسة الفجر عام 1925، والذي كان شعارها ‘الهدم من أجل البناء’ لتبحث عن صيغةمناسبة يمكن من خلالها التعبير بواسطة الفن القصصي عن ذلك الواقع الجديد الذي بدأيعلن عن تجلياته بإستمرار..

وظهر، بيرم التونسي ‘ ‘ وسط هذه الروح المتوثبةليحاول العثور علي ذلك الصوت الخاص الذي بدأ يتغلغل عميقا بداخل هياكل المجتمع،المتطلع إلي إكتشاف ذاته بعدما عاني طويلا من الإنقسام والتمزق وفقدان القدرة عليالتعبير عن نفسه.

وكانت موهبة بيرم التونسي من القوة بحيث تعرف علي طريقهمبكرا، ولم يستلزم الإعداد وقتا طويلا حتي أصبح علما في مجال التعبير بالزجل…وإستوعبت واعيته البصيرة بسرعة مذهلة معظم الكتابات الفنية التي سبقته إذ كان يتمتعبقدرة مدهشة علي الالتقاط والاستيعاب والتعبير عن نفسه بكافة الأشكال الفنيةالمعروفة في هذا الوقت.. وإضافة إلي ما تعلمه بيرم من الزجالين السابقين، فقد تمكنأن يطور من القوالب والأشكال القديمة ليجعلها اكثر ملاءمة للتعبير عن مشكلات الحياةاليومية وقضايا الواقع المعاش.. لقد إمتلك بيرم التونسي وعيا عميقا بطبيعة العلاقاتالانسانية والاجتماعية والسياسية، وإدرك علي نحو يقيني أهمية الشعر في مقاومة الظلمالاجتماعي السائد، ودوره في تحريض البشر ضد القبح والبشاعة في جميع أشكالهاالمختلفة، لذلك فقد إختار بيرم الصدام منذ اللحظة الأولي، وأصبح المتمرد الأعظم عليكل ما في المجتمع من سلبيات لايمكن السكوت عليها.. وتميزت قصائد ‘بيرم التونسي’بقدرة فائقة علي إستيعاب تناقضات المجتمع والتعبير عنها بدقة وعمق وإحكام، وعليالرغم من تلك الانشغالات المتلاحقة بالوقائع والأحداث اليومية، إلا أن ‘بيرمالتونسي’ قد قدم إسهامات كبري في تطور البني والإيقاعات الشعرية، حتي أن عروق الذهبيمكن أن نلمحها بيسر وسط كل تلك القصائد الساخرة التي تكشف العديد من المثالبالاجتماعية، الي الدرجة التي أصبحت هذه القصائد وبما تمتلكه من طاقة شعرية قادرةعلي أن تتجاوز العصور لتصل إلينا، ماتزال تحمل قدرتها علي التجاوز والنفاذ والمرورعبر الأزمنة، لتصل إلينا، وكأنما قد تمت كتابتها في التو واللحظة، فيقول في قصيدة:بخمسين قرش’.


بخمسين قرش ترفع ميكروفونك
لوش الفجر، وزيادة شوية
وخمسينقرش توضع، نص درهم
في جيب خصمك، وترميه في بليه
وخمسين قرش تاخد لكشهادة
بموت خالتك، وخلتك لسه حيه
وخمسين قرش تنهب.. أجزاخانة
منالمستشفيات، القاهرية
وخمسين قرش يعفيك.. المفتش
من الغرمات ويشطب لكقضيه
وخمسين قرش تتبدل.. محاضر
بتهمه عليك، وتتحول عليه
وخمسين قرش شيخحارتك يخلي
ولادك يهربوا.. م العسكرية
وخمسين قرش محفظتك، تعودلك
منالنشال بالواسطة القوية
وخمسين قرش اكتب لك مقاله
بإنك من رجال..العبقرية

ويكتب ‘بيرم التونسي’ في ديوانه الثالث ‘أزهار وأشواك’ قصيدة هي منأروع قصائد الأدب العربي الحديث واكثرها أصالة وتعبيرا، وهي قصيدة ‘الفلاحة’ التيتعتبر بحق علامة فارقة، وبيان يؤرخ لتباشير الحداثة الأولي في شعر العامية المصريةوالتي تبرهن علي عبقرية هذا الشاعر، وقدرته الفذة علي التعبير والغوص وتقديماكتشافاته الباهرة في بساطة وتواضع فيقول في قصيدته ‘الفلاحة’:

 

ما أنساش يابنت الريف
فضلك ياشملوله
علي البلاد والناس
ياعايشة مجهولة
دانتي ويمين.. الله
السيدة الاولي
اللي لها.. الحسنات
والفضل والمنه


 


ما انساش مدي الأيام
فضلك يافلاحه
دا هوانم، العمارات
زهقت من الراحة
وانتي اللي ليل ونهار
في الأرض كد احه
تروحي بالبلاص
وتعودي بمشنه


 


ياللي علي الأغراب
والأقربين.. هونتي
حته حصيرة، وزير
واقعد انا، وانتي
وانظم عليكي كلام
ما (ينظموش) دانتي
اللي اتسجن في جحيم
وأنا.. اللي في جنة
وأعتقد أن قصيدة ‘الفلاحة’ وقصائد أخري غيرها وبخاصة القصيرة منها قد شارفت تخوم الشعر، بتلك العلاقات التي تتشكل في العمق، والتي تمس عصب الشعر بمعناه الحقيقي، الذي يعبر عن رؤية متكاملة للواقع والحياة والكون… وأعتقد أن تلك الارهاصات هي التي ساهمت إلي حد كبير في الكشف عن تلك الطاقة الفعالة التي تختزنها العامية المصرية، والتي أهلته لأن يعبر المفصل التاريخي إلي برزخ الشعر بما يستوعبه من تمرد وظلال وأخيله ودلالات وأبنية ايقاعية ظاهرة وخفية.. كلها كانت تنتظر بلهفة ذلك المخلص، الذي سوف يحدث الإنقلاب الأكبر والأخطر في مجال التعبير بالعامية المصرية… ويجعلها اكثر قدرة علي التعبير عن واقع تلك العلاقات الجديدة التي يطرحها واقع لايكف عن التحول باستمرار.

من الاساري الهنوي

ومن ذلك نري ان فن ‘الموال’ قد امتلأ بطاقات اخري جديدة، حيث لم يهدف الي نقل فكرة محددة واضحة كل الوضوح، بل الي توصيل ‘حالة’ متوترة تتوسل بالصورة وحركة الكادر وكافة العناصر الفنية الاخري، وهو حين يعتمد علي التداعي في الصور، لايأتي ذلك التداعي عشوائيا بغير هدف، انما هو نوع من التداعي الخلاق الذي يهدف في النهاية الي تأكيد المعني العام بكل مستوياته المتنوعة.
­ ياغصن فات الشجر، ياللي بقيت شومه
­ وفضلت واقف علينا سجن وحكومة
ويقول في مقطع آخر من نفس الموال
ابيض علي اسود ملون افتكرته يمام
واي قافيه مادامت حلوه تتأمر
انا عبد، وان كنت بأسأل حرب ولاسلام
وانا حر، والاغنايا شبه مستعمر
­ ان عملية الاستبدالات المستمرة والانتقالات الحرة­ في العمق­ تنتقل بالقصيدة من مستوي سطحي مباشر الي مستوي آخر اكثر كثافة وغني، حيث ينبت الشعر من مياه جوفية عميقة لاحدود لها.. ولقد ساعدت ‘المخيلة’ الطاغية التي امتلكها الشاعر الاكبر علي خلق ذلك المزاج الشعري الذي تأتلف فيه الخيوط المتعارضة لتصنع لنا ذلك العالم العبقري المليء بكافة الاحتمالات.
مظاهر التحول الاعظم

 

­ ولان ‘فؤاد حداد’ يدرك العالم علي نحو مختلف، فقد آمن بضرورة التجديد الشامل، اذ لم تعد القوالب التقليدية.
­ رغم ما تحمله من ثراء موسيقي­ غير قادرة في ظل رغبة دائمة في التحرر، علي التعبير الحقيقي عن جوهر التحولات الحاصلة وبضربة فأس واحدة تمكن الشاعر العبقري من تحطيم البناء التقليدي لقصيدة العامية، ليتحرر نهائيا ويحرر قصيدة العامية من الابنية التقليدية وليبدع معمارا جديدا، يمكنه استيعاب كافة الايقاعات البسيطة والمعقدة التي صارت علامة من علامات الشعر الحديث.. فكتب ‘حداد’ في سابقة لم تحدث من قبل القصيدة التفعيلة بالعامية في الوقت الذي لم يتصور فيه احد ان العامية قادرة علي ان تتخطي عتبة القوالب التقليدية المعروف والمألوفة التي ابدع بها بيرم.. وكان ذلك الاكتشاف المذهل الذي قام به فؤاد حداد ليزعزع الاسس القديمة (الكلاسيكية) لمفهوم الابداع بالعامية، ويكرس لمفهوم جديد مختلف ومخالف يقوم علي اساس العديد من الانشطة الخلاقة التي تزخر بها القصيدة، وعلي اساس فهم مختلف تماما لجوهر الفعل الشعري وماهية الابداع وكيفيات الكتابة التي راحت تستوعب اشكالا متنوعة من البني الايقاعية المتآلفة والمتعارضة في ان، مما فتح الباب واسعا لمشروعية الاجيال التالية في التجريب والمغامرة والابتكار.. لقد تأسس مفهوم ‘فؤاد حداد’ للشعر علي طرائق مبتكرة متوازنة، تهدف كلها الي تفعيل المستويات الداخلية والخارجية للقصيدة وشحنها بايقاعات جديدة­ غير ظاهرة­ توجه حركة القصيدة وتكسبها العديد من المعاني والاخيلة والدلالات، التي تجعل من الفعل الشعري طاقة مستمرة لاتنتهي بالانتهاء من كتابة القصيدة او قراءتها، بل تظل تتشكل باستمرار كلما اعدنا القراءة، ليصبح القاريء­ في النهاية­ عنصرا ايجابيا من عناصر البناء الشعري، كل ذلك يتم في اطار كيان موسيقي ملتئم يجمع بين كل المستويات المتعددة، ويقدمها في مقترح قابل للنمو والتكامل والانفتاح :


صف الشجر ع الجسر ما اروعه
ينهض كما الحلوين.. اذا ربعوا
كان فيه جدع يادوب حبتين
يقدر يؤلف كل شيء يسمعه
ياكتابها.. ياكتافها
تتجلي اعطافها في كل البلاد
ومجنون، وكان للخير بطل وسيوف
ومعني اخر ليل شهيد، الكيوف
وكان مجاور مرتجي شحات
الورد شحات الندي فيلسوف
قادر يؤلف كل شيء بيشوف
رجليكي فيه
وايديكي فيه
ويكتفك.. وتكتفيه
الدنيا عاشقه الفجر بتلوعه
خلد.. ولاطلعشي

 


وفي كل قصائد ‘فؤاد حداد’ ينبت ذلك الحس الانساني الغامر الذي يرتفع في كثير من الاحيان ليصل حد التصوف، لكنه التصوف الذي يؤمن بقدرة الانسان، ويدرك المشترك الانساني العام، الذي يختفي فيه الظلم، ويغيب الطغيان، انه يغني مثل الجنين الذي لم يولد بعد.. غاية في النقاء والشفافية ومحبة الاخر:

 


تبارك الله ذو الجلال
الله رحيم
ان كنت باطمع
قلبي سليم
في عيني يلمع
نورالنعيم
وبودني اسمع
ادان بلال
تبارك الله ذو الجلال
الله ودود
احب وطني
من غير حدود
وأنقي قطني
من كل دود
وآخذ في حضني
كل العيال…
تبارك الله ذو الجلال
الله لطيف
تغنيني لقمه
من الرغيف
من جنس لؤما
وانا الضعيف
من اجل حكمه
اشيل جبال
تبارك الله ذو الجلال.

 


­ واضافة الي تلك الروح الودودة، المحبة، التي تسع كل العالم، فقد التحم ‘فؤاد حداد’ بقضايا امته، وكتب اجمل اشعار المقاومة، بحيث ضارت اشعاره كلها وقصائده بمثابة بتحريض علني ضد القبح والركاكة، والانتهازية، والابتذال، ولاول مرة.
­ ربما في تاريخ الشعر­ يلتحم الشاعر بالقصيدة، فلا توجد مساحة فاصلة بينهما، فيظل في حالة من الالهام لاتنقطع، ويصبح الشعر هو طوق النجاة الوحيد:
الفن ساس
بالرقة والاحساس
علي اساس ربك اراد الخير
­ كما يظهر الحس النضالي، وكأنه الوجه الاخر للجانب الانساني في كل قصائد ‘فؤاد حداد’ فالشهيد عنده هو الشاعر في الجنة ولأنه يكاد يقدس الشهيد فلاتخلو قصيدة من قصائدة عن الشهداء باعتبارهم ‘مبدأ الانسانية’ فكتب عن مأساة فلسطين قصائد لايمكن الا ان يكتب لها الخلود والبقاء:

 


ياأختي مخبأنا.. كوفيه
متشمسه.. ومتدفيه
يااختي مخبأنا.. عبابه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

” فؤاد حداد - شاعر الشعراء ” محمدكشيك

كتبها محمد كشيك ، في 15 مايو 2009 الساعة: 06:12 ص

 

 فؤاد حداد - شاعر الشعراء

محمد كشيك

 ————-
 لقد اكتملت ملامح فن الزجل علي يد الشاعر العبقري ‘بيرم التونسي، ولم يعد بمقدور أحد أن يضيف شيئا إلي ما قدمه بيرم التونسي في هذا المجال.. إذ إمتلك هذا الشاعر موهبه إستثنائية، تتميز بالفرادة والحساسية والقدرة علي التصوير وإلتقاط العناصر الجوهرية التي كانت تتغلغل بداخل المجتمع المصري في هذا الوقت، حيث تكاتف الجميع من أجل البحث عن ملامح مصرية صميمة تميز جميع الأنواع الأدبية.. فظهر الموسيقار ‘سيد درويش’ الذي راح يبحث بإستماتة عن خصائص هذا الصوت، وترافق هذا النزوع مع بحث المثال ‘محمود مختار’ الذي عثر علي ضالته في تلك الإكتشافات المبكرٌة، إذ عرض التمثال المصغر لنهضة مصر في صالون باريس عام 1920، ثم جاءت مدرسة الفجر عام 1925، والذي كان شعارها ‘الهدم من أجل البناء’ لتبحث عن صيغة مناسبة يمكن من خلالها التعبير بواسطة الفن القصصي عن ذلك الواقع الجديد الذي بدأ يعلن عن تجلياته بإستمرار..
وظهر، بيرم التونسي ‘ ‘ وسط هذه الروح المتوثبة ليحاول العثور علي ذلك الصوت الخاص الذي بدأ يتغلغل عميقا بداخل هياكل المجتمع، المتطلع إلي إكتشاف ذاته بعدما عاني طويلا من الإنقسام والتمزق وفقدان القدرة علي التعبير عن نفسه.

وكانت موهبة بيرم التونسي من القوة بحيث تعرف علي طريقه مبكرا، ولم يستلزم الإعداد وقتا طويلا حتي أصبح علما في مجال التعبير بالزجل… وإستوعبت واعيته البصيرة بسرعة مذهلة معظم الكتابات الفنية التي سبقته إذ كان يتمتع بقدرة مدهشة علي الالتقاط والاستيعاب والتعبير عن نفسه بكافة الأشكال الفنية المعروفة في هذا الوقت.. وإضافة إلي ما تعلمه بيرم من الزجالين السابقين، فقد تمكن أن يطور من القوالب والأشكال القديمة ليجعلها اكثر ملاءمة للتعبير عن مشكلات الحياة اليومية وقضايا الواقع المعاش.. لقد إمتلك بيرم التونسي وعيا عميقا بطبيعة العلاقات الانسانية والاجتماعية والسياسية، وإدرك علي نحو يقيني أهمية الشعر في مقاومة الظلم الاجتماعي السائد، ودوره في تحريض البشر ضد القبح والبشاعة في جميع أشكالها المختلفة، لذلك فقد إختار بيرم الصدام منذ اللحظة الأولي، وأصبح المتمرد الأعظم علي كل ما في المجتمع من سلبيات لايمكن السكوت عليها.. وتميزت قصائد ‘بيرم التونسي’ بقدرة فائقة علي إستيعاب تناقضات المجتمع والتعبير عنها بدقة وعمق وإحكام، وعلي الرغم من تلك الانشغالات المتلاحقة بالوقائع والأحداث اليومية، إلا أن ‘بيرم التونسي’ قد قدم إسهامات كبري في تطور البني والإيقاعات الشعرية، حتي أن عروق الذهب يمكن أن نلمحها بيسر وسط كل تلك القصائد الساخرة التي تكشف العديد من المثالب الاجتماعية، الي الدرجة التي أصبحت هذه القصائد وبما تمتلكه من طاقة شعرية قادرة علي أن تتجاوز العصور لتصل إلينا، ماتزال تحمل قدرتها علي التجاوز والنفاذ والمرور عبر الأزمنة، لتصل إلينا، وكأنما قد تمت كتابتها في التو واللحظة، فيقول في قصيدة: ‘بخمسين قرش’.


بخمسين قرش ترفع ميكروفونك
لوش الفجر، وزيادة شوية
وخمسين قرش توضع، نص درهم
في جيب خصمك، وترميه في بليه
وخمسين قرش تاخد لك شهادة
بموت خالتك، وخلتك لسه حيه
وخمسين قرش تنهب.. أجزاخانة
من المستشفيات، القاهرية
وخمسين قرش يعفيك.. المفتش
من الغرمات ويشطب لك قضيه
وخمسين قرش تتبدل.. محاضر
بتهمه عليك، وتتحول عليه
وخمسين قرش شيخ حارتك يخلي
ولادك يهربوا.. م العسكرية
وخمسين قرش محفظتك، تعودلك
من النشال بالواسطة القوية
وخمسين قرش اكتب لك مقاله
بإنك من رجال.. العبقرية


ويكتب ‘بيرم التونسي’ في ديوانه الثالث ‘أزهار وأشواك’ قصيدة هي من أروع قصائد الأدب العربي الحديث واكثرها أصالة وتعبيرا، وهي قصيدة ‘الفلاحة’ التي تعتبر بحق علامة فارقة، وبيان يؤرخ لتباشير الحداثة الأولي في شعر العامية المصرية والتي تبرهن علي عبقرية هذا الشاعر، وقدرته الفذة علي التعبير والغوص وتقديم اكتشافاته الباهرة في بساطة وتواضع فيقول في قصيدته ‘الفلاحة’

ما أنساش يابنت الريف
فضلك ياشملوله
علي البلاد والناس
ياعايشة مجهولة
دانتي ويمين.. الله
السيدة الاولي
اللي لها.. الحسنات
والفضل والمنه


 


ما انساش مدي الأيام
فضلك يافلاحه
دا هوانم، العمارات
زهقت من الراحة
وانتي اللي ليل ونهار
في الأرض كد احه
تروحي بالبلاص
وتعودي بمشنه


 


ياللي علي الأغراب
والأقربين.. هونتي
حته حصيرة، وزير
واقعد انا، وانتي
وانظم عليكي كلام
ما (ينظموش) دانتي
اللي اتسجن في جحيم
وأنا.. اللي في جنة


وأعتقد أن قصيدة ‘الفلاحة’ وقصائد أخري غيرها وبخاصة القصيرة منها قد شارفت تخوم الشعر، بتلك العلاقات التي تتشكل في العمق، والتي تمس عصب الشعر بمعناه الحقيقي، الذي يعبر عن رؤية متكاملة للواقع والحياة والكون… وأعتقد أن تلك الارهاصات هي التي ساهمت إلي حد كبير في الكشف عن تلك الطاقة الفعالة التي تختزنها العامية المصرية، والتي أهلته لأن يعبر المفصل التاريخي إلي برزخ الشعر بما يستوعبه من تمرد وظلال وأخيله ودلالات وأبنية ايقاعية ظاهرة وخفية.. كلها كانت تنتظر بلهفة ذلك المخلص، الذي سوف يحدث الإنقلاب الأكبر والأخطر في مجال التعبير بالعامية المصرية… ويجعلها اكثر قدرة علي التعبير عن واقع تلك العلاقات الجديدة التي يطرحها واقع لايكف عن التحول باستمرار.

من الاساري الهنوي            

ومن ذلك نري ان فن ‘الموال’ قد امتلأ بطاقات اخري جديدة، حيث لم يهدف الي نقل فكرة محددة واضحة كل الوضوح، بل الي توصيل ‘حالة’ متوترة تتوسل بالصورة وحركة الكادر وكافة العناصر الفنية الاخري، وهو حين يعتمد علي التداعي في الصور، لايأتي ذلك التداعي عشوائيا بغير هدف، انما هو نوع من التداعي الخلاق الذي يهدف في النهاية الي تأكيد المعني العام بكل مستوياته المتنوعة.:


­ ياغصن فات الشجر، ياللي بقيت شومه
­ وفضلت واقف علينا سجن وحكومة
ويقول في مقطع آخر من نفس الموال
ابيض علي اسود ملون افتكرته يمام
واي قافيه مادامت حلوه تتأمر
انا عبد، وان كنت بأسأل حرب ولاسلام
وانا حر، والاغنايا شبه مستعمر


­ ان عملية الاستبدالات المستمرة والانتقالات الحرة­ في العمق­ تنتقل بالقصيدة من مستوي سطحي مباشر الي مستوي آخر اكثر كثافة وغني، حيث ينبت الشعر من مياه جوفية عميقة لاحدود لها.. ولقد ساعدت ‘المخيلة’ الطاغية التي امتلكها الشاعر الاكبر علي خلق ذلك المزاج الشعري الذي تأتلف فيه الخيوط المتعارضة لتصنع لنا ذلك العالم العبقري المليء بكافة الاحتمالات.

مظاهر التحول الاعظم.           

­ ولان ‘فؤاد حداد’ يدرك العالم علي نحو مختلف، فقد آمن بضرورة التجديد الشامل، اذ لم تعد القوالب التقليدية.
­ رغم ما تحمله من ثراء موسيقي­ غير قادرة في ظل رغبة دائمة في التحرر، علي التعبير الحقيقي عن جوهر التحولات الحاصلة وبضربة فأس واحدة تمكن الشاعر العبقري من تحطيم البناء التقليدي لقصيدة العامية، ليتحرر نهائيا ويحرر قصيدة العامية من الابنية التقليدية وليبدع معمارا جديدا، يمكنه استيعاب كافة الايقاعات البسيطة والمعقدة التي صارت علامة من علامات الشعر الحديث.. فكتب ‘حداد’ في سابقة لم تحدث من قبل القصيدة التفعيلة بالعامية في الوقت الذي لم يتصور فيه احد ان العامية قادرة علي ان تتخطي عتبة القوالب التقليدية المعروف والمألوفة التي ابدع بها بيرم.. وكان ذلك الاكتشاف المذهل الذي قام به فؤاد حداد ليزعزع الاسس القديمة (الكلاسيكية) لمفهوم الابداع بالعامية، ويكرس لمفهوم جديد مختلف ومخالف يقوم علي اساس العديد من الانشطة الخلاقة التي تزخر بها القصيدة، وعلي اساس فهم مختلف تماما لجوهر الفعل الشعري وماهية الابداع وكيفيات الكتابة التي راحت تستوعب اشكالا متنوعة من البني الايقاعية المتآلفة والمتعارضة في ان، مما فتح الباب واسعا لمشروعية الاجيال التالية في التجريب والمغامرة والابتكار.. لقد تأسس مفهوم ‘فؤاد حداد’ للشعر علي طرائق مبتكرة متوازنة، تهدف كلها الي تفعيل المستويات الداخلية والخارجية للقصيدة وشحنها بايقاعات جديدة­ غير ظاهرة­ توجه حركة القصيدة وتكسبها العديد من المعاني والاخيلة والدلالات، التي تجعل من الفعل الشعري طاقة مستمرة لاتنتهي بالانتهاء من كتابة القصيدة او قراءتها، بل تظل تتشكل باستمرار كلما اعدنا القراءة، ليصبح القاريء­ في النهاية­ عنصرا ايجابيا من عناصر البناء الشعري، كل ذلك يتم في اطار كيان موسيقي ملتئم يجمع بين كل المستويات المتعددة، ويقدمها في مقترح قابل للنمو والتكامل والانفتاح.


صف الشجر ع الجسر ما اروعه
ينهض كما الحلوين.. اذا ربعوا
كان فيه جدع يادوب حبتين
يقدر يؤلف كل شيء يسمعه
ياكتابها.. ياكتافها
تتجلي اعطافها في كل البلاد
ومجنون، وكان للخير بطل وسيوف
ومعني اخر ليل شهيد، الكيوف
وكان مجاور مرتجي شحات
الورد شحات الندي فيلسوف
قادر يؤلف كل شيء بيشوف
رجليكي فيه
وايديكي فيه
ويكتفك.. وتكتفيه
الدنيا عاشقه الفجر بتلوعه
خلد.. ولاطلعشي


وفي كل قصائد ‘فؤاد حداد’ ينبت ذلك الحس الانساني الغامر الذي يرتفع في كثير من الاحيان ليصل حد التصوف، لكنه التصوف الذي يؤمن بقدرة الانسان، ويدرك المشترك الانساني العام، الذي يختفي فيه الظلم، ويغيب الطغيان، انه يغني مثل الجنين الذي لم يولد بعد.. غاية في النقاء والشفافية ومحبة الاخر : 


تبارك الله ذو الجلال
الله رحيم
ان كنت باطمع
قلبي سليم
في عيني يلمع
نورالنعيم
وبودني اسمع
ادان بلال
تبارك الله ذو الجلال
الله ودود
احب وطني
من غير حدود

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محمد كشيك - عصفور العشش القديمة

كتبها محمد كشيك ، في 5 أبريل 2009 الساعة: 02:57 ص

 

 

 
 
 
44675
‏السنة 133-العدد
2009
مارس
31
 
الثلاثاء
 
 
عصفور العشش القديمة
كتب : بهاء جاهين
محمدكشيك
الأعوام‏1978‏ ـ‏1982‏ شهدت بداية صداقتي مع شاعر العامية المبدع محمد كشيك وتتلمذي علي يديه‏,‏ رغم أنه يعد من جيلي ولايكبرني إلا بأربعة أعوام‏.‏

وقد كان افتتاني به مزدوجا‏:‏ لشخصه ولشعره‏.‏ لقد وجدت نفسي إزاء إنسان شديد العذوبة وخفة الظل والطفولة والحكمة‏,‏ قطع في فن الشعر شوطا كبيرا رغم أنه لم يتجاوز الخامسة والعشرين‏,‏ علي درجة رفيعة من الثقافة الأدبية‏,‏ ويتحمس لشعر غيره أكثر مما يتحمس لشعره هو اذا ما وجد ذلك الشعر مطربا له‏,‏ فكأنه يحب الشعر أكثر مما يحب نفسه‏,‏ وهذه في حد ذاتها موهبة من النادر أن تجدها في نفوس المبدعين‏.‏

وقد بدأ احترامي وحبي له كشاعر بعد أن سمعت منه قصيدته العشش القديمة وهي القصيدة التي أعطت ديوانه الأهم في مسيرته الشعرية‏,‏ أعطته العنوان‏,‏ المعبر عن شاعرية كشيك بشكل عام‏,‏ تلك الطالعة من الحارة المصرية بدفئها وعذوبتها مصفاة من أية خشونة أو سوقية‏.‏

وقد صدرت منذ أسابيع قليلة الطبعة الثانية من هذا الديوان عن مكتبة الأسرة‏.‏ وكانت الطبعة الأولي قد صدرت منذ حوالي ربع قرن‏,‏ ولقد سعدت بالطبعة الجديدة سعادة شديدة‏,‏ فكأنني ارتددت الي زمن التلمذة‏.‏

ومن القصائد التي تعجبني لكشيك واحدة بعنوان الحزن أحب أن تقرأها معي لتري كم هي مختلفة‏,‏ ولن أزيد علي ذلك حتي لا أصادر عليك حكمك الخاص‏:‏

الحزن
هواياتي كتير
منها الحزن
أنا أصلي باموت ع الآخر في الحزن

وغاويه
وباحبه زي الكيف
ماهو صاحبي
باخده معايا في كل مكان‏..‏ من غير تكليف
بينام جنبي قبل ما أنام

وباشاركه الأحلام
يشاركني الأحلام
وبياكل ويايا في كل طعام
واما أقعد أفكر حزنان

بيجيني الحزن ويقعد جنبي‏..‏ علشان
أنا صاحبي الحزن‏.‏
والحزن اللي بيسكن جوايا أنواع
حزن مابيجيش غير وقت الحزن

وحزن معايا علي طول
بامتلكه‏..‏
مع انه من المجهول
مالهوش أم
ويتيم الأب

نابت زي الطحلب في البحر
وبيفرز غمه زي العصارات
في البرد بيلسعني وف عز الحر
وف عضمي الناشف بيخش

مابيهمدش‏..‏ ودايما شغال
لا أجازة اعتيادية‏..‏ ولا أعطال
بيجيني في كل ميعاد
في الضلمه‏..‏ في النور
في الموسم‏..‏ في الأعياد

.‏ ما هو مش ضيف
أصل أنا كييف في جميع أنواع الحزن
وهوه كمان كييف‏.‏
والحزن اللي قابلته‏..‏ أنواع

فيه حزن مثقف جدا ومعاه أعلي الشهادات
وحزن يادوبك بيف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نفسي - شعر محمد كشيك

كتبها محمد كشيك ، في 30 مارس 2009 الساعة: 19:25 م

 

 
 
                                             
                                    نفسي
                                ————
نفسي أكون مع    (…….)واتفسح
واتمشي معاها علي الشط
اركب في المراجيح واتمرجح
ولا أزعل م العالم قط
تبقي وليفتي
وابقي وليفها
واتشعلق في سنون حراديفها
أفطر بعد الصوم – برغيفها
واشرب من عناب شفايفها
من شفايفها أدوق الشهد
وانام تحت عبير النهد
حب بجد –    عشق بجــــــــد
نفسي في وقت الفجر أزورها
تحت قميصها أشم – عبيرهـا
واشرب وأنا عطشان
من بيرها ،،
ولا يفضل ع الكوكب حد
غيري وغيرها
طيفي وطيفها
تحت النور   افضل الاطفها
واركب آخر   الليل طفطـــفها 
وانام تحت ظلال صفصافها
لو أعطش ، شفتين تسقينا
تتقابل في النور شفتينا
مش ها نقول للمفتي إفتينا
 
مهما بتعلي لفوقنا – ياموج 
ما بيهتز سريـــــر تحتينـــــــا
زي البط نعوم في الميه
أدخل فيها وتدخل فيــــــــا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صلاح جاهين - البحث عن عروق الذهب في اللغة المصرية / محمد كشيك

كتبها محمد كشيك ، في 24 يوليو 2007 الساعة: 04:00 ص

مغامرة الكتابة: 
 البحث عن عروق الذهب في العامية المصرية 

 محمد كشيك    

   ­ المغامرة الابداعية، هي المبدأ الأساسي الذي يحكم عملية الكتابة عند صلاح جاهين، فهو لا يضع قيودا مسبقة يمكن أن تعرقل تحركاته الداخلية والخارجية أثناء عملية التأليف والابداع، فالفعل الشعري يبدو مستقلا، دائما ما يمتلك قوانينه الخاصة التي تتجاوز الثبات النسبي للقالب الفني، فالشكل يكاد ينهزم أمام الموهبة الجارفة التي تتحرك في العمق، فتعيد تركيبه، بحيث يصبح مجرد مقترح قابل للتعديل والاضافة، والتغيير عبر عملية مستمرة من الاختبارات والاستبدالات اللغوية والفنية.
­ والمغامرة عند صلاح جاهين، لا تعني سوي الحرية، تلك الحرية التي تستعصي علي القولبة والنمطية والثبات، انها عند الشاعر فعل حركة وحياة وديمومة يعكس جدلية من العلاقات المتشابكة والمتناقضة ­ البسيطة والمعقدة في آن، ولقد بلغت هذه الحرية حدودها القصوي عند رحيل الشاعر.
­ ان ارادة الشاعر الخالقة تفرض نفسها عند عملية الكتابة، لذلك تتعدد طرائق وأساليب الكتابة عند صلاح جاهين، فهو لا يكتب قصيدة واحدة يعيد انتاجها في كل مرة، لكنه ­ حسب مبدأ الحرية ­ يعيش حالة مستمرة من التجدد والتمرد والابتكار، فتبدو كل قصيدة من قصائده فعلا مختلفا ومخالفا، لا تشتبه ولا تتشابه مع باقي قصائده الاخري، ربما لأنها تستمد طاقاتها من مياه جوفية عميقة قادرة علي اغناء عالم الشاعر بحدائق نغمية وفنية لا يمكن لها أن تذل أو تنتهي أو تموت.
­ إن الشاعر يترك نفسه أثناء فعل الابداع، ليصل الي ذروة التوتر الانفعالي، لتصبح القصيدة مهيأة لكل أنواع الاحتمالات ­ كما تمتلك القابلية للانفتاح علي تجارب متنوعة تضيف الي العالم الفني، الذي تتعدد مستوياته، وتتشكل علاقاته داخل عملية متشابكة ومعقدة بالغة التعقيد من الحذف المستمر، والهدم واعادة البناء، ومن التفكيك والتركيب، لتصل الينا القصيدة في شكلها النهائي لتتجلي فيها بوضوح ‘بصمة’ الشاعر، وعبقريته، وقدرته الدائمة علي تجاوز القوالب والاشكال، من أجل العثور علي ‘عروق الذهب’ الكامنة في نهر الحياة الفائض.

 التحدي والاستجابة
­ والعملية الابداعية عند الشاعر العبقري ‘صلاح جاهين’ غالبا ما تعكس حركة دائمة من التحديات المختلفة، تواجهها علي نفس المستوي مجموعة من الاستجابات الخالقة.
فالثبات الظاهري للشكل المحدود الايقاعات، الذي يشكل تحديا دائما للشاعر، غالبا ما يقابله باستجابة تعكس مدي الحيوية التي تتأبي علي الجمود ­ والثبات.
­ والقصيدة عند صلاح جاهين تتبدي فيها بوضوح تلك المعركة المستمرة، التي تدور رحاها بين الشاعر المتمرد، الذي يريد أن يفرض علي القصيدة هذه الحيوية الكامنة والنشاط الايقاعي المتوتر، وبين الشكل الثابت والساكن الذي يريد قمع الشاعر، وسجنه، والابقاء عليه بداخل حدوده الضيقة

 
وصفة الشاعر

­ ولعلنا اذا اقتربنا قليلا من عالم ‘صلاح جاهين’ لنعاين بعض اكتشافاته الفنية، نلاحظ تلك المقدرة الهائلة علي التنويع في الاداء، فالصورة الجزئية تتنافر أحيانا، مع باقي الصور الاخري ­ لنحصل في النهاية علي صورة فنية متكاملة، تتآزر فيها ومن خلالها جميع المعطيات لتمنح ذلك البعد الخاص والمذاق المتميز، الذي تتسم به معظم قصائد صلاح جاهين.
­ وحتي يمكن أن نقترب بشكل أكثر وضوحا من أجل التعرف علي ‘وصفة’ صلاح جاهين، فسوف نحاول أن ندخل في قراءة سريعة متعجلة لاحدي قصائده ‘قصيدة’ والتي يمكن من خلالها أن نلقي الضوء علي بعض من ملامحه الفنية ومجمل رؤاه الابداعية.
­ انه في القصيدة يأخذ بيد المتلقي عبر شاطيء منبسط سهل، غير مقيد بتحركات مفاجئة، وهو لا يخدعه، انما يحاول أن يغريه ويجذبه الي عالمه المدهش فيقول في البداية:

في يوم من الأيام راح اكتب قصيدة/
­ ويستمر الشاعر في تداع خلاق، ليوضح ماهية تلك القصيدة التي يريد أن يكتبها، ويبدأ المعني بسيطا لا يحتاج إلي أي جهد أو تأمل..
عن السماء/ عن وردة علي راس نهد/ عن قطتي/ عن الكمنجة الشريدة/ عن نخلتين فوق في العلالي السعيدة.

­ وبعد ذلك يتجه المعني من البساطة إلي التركيب، وتبدأ النغمات والايقاعات في التحول لتواكب ذلك التعقيد البنائي الذي يوجه الصورة باتجاهات مختلفة ومخالفة.

              
عن عيش بيتفتفت في أودة بعيدة،
عن مروحة من الورق،
عن بنت فايرة من بنات الزنج،
عن السفنج،
عن العنب،
عن الهدوم الجديدة،
عن حدايات شبرا،
عن الشطرنج

­ وتستمر القصيدة في جلب الصور المتآلفة والمتناقضة، لتشكل في النهاية بؤرة الفعل الشعري، الذي يشغي بالعلاقات التي تمنح القصيدة حضورها وحيويتها وخصوصيتها أيضا، كما يبدأ الايقاع في استقطاب الصور الجزئية، لاعادة تجميعها في عالم شعري أخاذ:
عن برطمان أقراص منومة/ عن مهر واثب من علي سور حديد/ وف بطنه داخله الحديدة/
­ ان الشاعر يبدو هنا مثل الساحر الذي يفاجئك دوما بما ليس في الحسبان، ليجعلك في دائرة الترقب والتوقع، مبهورا، منجذبا، إلي ما سوف يجيء من احتمالات، والشاعر في كل هذا مثل الطائر المحلق، يصعد الي أعلي الأعالي كي يتمكن من الرؤية جيدا، وحينما يبدأ في رصد هدفه، يهبط منقضا علي فريسته ليحصل في النهاية علي كنوزه الفنية.
­ ولعل أهم ما يميز الوصفة الشعرية لصلاح جاهين، هي تلك القدرة المعجزة علي اعتصار طاقة اللغة وما يمكن أن تمنحه من طاقة تساهم في بنائية العمل الفني، وشحنة بتلك القوة الهائلة ­ في العمق ­ والتي تجعل القصيدة قادرة علي الفعل الشعري مهما تعاقبت السنوات والدهور والأجيال،
­ وتعتبر خاتمة القصيدة درسا لكل من يمارس فعل الكتابة الفنية، فبعد العديد من التوقعات التي أوردها الشاعر، فها هو يباعتنا مرة أخري في نهاية
القصيدة بنتيجة لم تكن في الحسبان، لكنها تتسق مع رغبة الشاعر في اللعب، وقدرته علي المغامرة، وحبة للتمرد الذي هو الدافع الحقيقي لحالة الابداع الهائلة لديه، فيقول في نهاية القصيدة:
عن طفل بقميص نوم
عن قوس قزح بعد الصلا في العيد
ح اكتب قصيدة
ح اكتبها ­ وان ما كتبتها ش أنا حر
الطير ما هو ش ملزوم بالزقزقة


أسرار الخفاء والتجلي

­ وفي معظم قصائد صلاح جاهين هناك مستويات متعددة للفعل الشعري، فالقصيدة تبدأ من الداخل ­ عبر منطقة مظلمة لا يكاد يعرفها الشاعر نفسه، وتبدو مثل بذرة مؤهلة للتفتح، سرعان ما تنفجر حينما يصادفها لحظة مواتية، فتدب فيها الحياة، وتأخذ في الانبات، لتندفع الجذور الصغيرة بداخل المناطق المعتمة ­ وتتشكل مجالات الحركة، وحينما تكون متأهبة الخروج، يندفع الدفق الحي إلي أعلي متناغما مع طاقة الحياة، يستمد طاقته المتجددة من تلك الجذور العفية التي تشكلت في العمق، ثم اندفعت الي السطح لتكتسب ملامحها الجديدة، وأبعادها المتجددة، تماما مثل الزهرة التي تكمن في رحم الأرض، وفي الربيع تطلق وجه خضرتها لتهزم خرائب بأكملها،
يقول الشاعر في قصيدته البديعة : ‘كلام إلي يوسف حلمي’

    ———
أنا باتكلَّم م الشارع
والشارع فيه جامع
والجامع مبني بقاله ميات م الأعوام
إنما شبابيكه كلام
وعرايس أفريزه كلام،
وحيطانه
والمعمارجي اللي بناه واقف قدامه وبيكلمني
بيمد لي أيده، بياخد كبريت مني
بيولع.. وبيضرب لي سلام..
ياسلام!


أقنعة الحياة الموت

­ وكما سبق أن أوضحنا، فان القصيدة عند صلاح جاهين، تبدأ من عند منطقة معينة، ثم تبدأ في النمو والتشكل، وفق منطق بنائي خاص، يعتمد علي نشاط لغوي مكثف والعديد من الصور الجزئية، التي تتنافر أحيانا، لكنها تعود في النهاية لتلتئم في كيان كلي موحد.
­ وتعتبر قصيدة ‘الموتي’ التي كتبها الشاعر بمناسبة رحيل ‘أمل دنقل’ من أهم القصائد التي تتجلي فيها بوضوح مجمل الخصائص الابداع والفنية لعالم صلاح جاهين، فعلي الرغم من أن القصيدة تتحدث عن الموت، فهي تعكس حالة من التوحد والخلود تتجاوز مظاهر السطح الخادع الذي يشي بالتحول والتغير: في صفحة الموتي
بيكلموني كل يوم الصبح
بصورهم الباهتة
بعيونهم الثابتة
بيسألوني كلهم.. إمتي
ها تنطبع صورتك ­ كمان إنت
وبعد هذه البداية البسيطة، تبدأ القصيدة في التفرغ لتصنع شبكة كثيفة من العلاقات الخفية، لتصل الي منطقة المياه الجوفية، المحملة بثقل الرموز، وكثافة المعاني، وعمق الدلالات ­ حيث تتحول الكائنات البشرية إلي معني أبدي خالد يتجاوز الأعراق والأجيال والديانات
!
يا رسم علي وش التابوت مرسوم

في حفاير الفيوم
وحفاير الفيوم جبانة م الزمن العتيق
مشهورة بالصناديق
وعليها بالألوان صور ­ مخاليق
كاهن/ مراكبي
ست بيت/ تاجر
بنيه حلوة/ عسكري/ شاعر
صور بشر أيامهم انحصرت
مداينهم اندثرت
توابيتهم انكسرت
مافاضلشي منها غير وشوش

­ ويستمر الشاعر في استجلاب الصور الجزئية المتفرقة حتي يصل الي صورة كلية تنسجم والفكرة التي يريد الشاعر أن يعبر عنها والتي تعكس جوهر فلسفة الموت، وهي فلسفة انسانية ­ تحاول اكتشاف المعني المشترك والتعبير عنه في بلاغة عميقة، آسرة،
: بيبصٌوا نفس البصٌة
وبيحكوا نفس القِصٌة
مستغرقين

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هذا العام مش نافع حــــج - محمد كشيك

كتبها محمد كشيك ، في 22 يوليو 2007 الساعة: 22:51 م

  لاارغب في شيئ
    لاآمل في شيئ
   لاأخاف من شيئ 
   أنا حــر  
" صياد هندي قديم "

   

    هذا العام

مش نافع حج

———————–

تحت الليل، مش لابس سُتره
ماشى فى قلب النار سقعان
ولا فيه حد جدع، أو عتره
مش شايف ريحة الجدعان
عايز مره فى عمرى، لو اغلط
ماشى مبهدل.. توبى مرهرط
شارب بنج فى عقلى جِنان
جنب الحيطة
باعيش، وباعيط
باتنفس حزن، ودخان
مش دريان..
باعمل مستعبط
مستعبط، ومانيش دريان
الوطاويط عمّاله توطوط
وبتنبح فوقى الغربان
كل فطورى الصابح..
شايط
نازل حزنى كأنه سبايط
ولا حسيت أبدا بأمان
باتبعتر على طول واتبعزق
أنا واحد..
.. إنما باتجزأ
وبادوب فى رمادى الألوان
شارب بنج، فى عقلى جنان
مصارينى فى بطنى.. بتتلوي
بانده نور الشمس بقوه
وباموت من غير استئذان
مصلوب فوق جدران الكوفه
شايل بيرق
ماسك لوفه
وسحورى فى رمضان حمضان
باتكلم، وبحيرى اللهجه
وباماين.. وصعيدى اللهجه
العيد مالهوش أيها بهجه
والشاعر فتح الدكان
الشاعر عامل إعلان
كل دقيقة، الغيم بيدلّس…
باقعد ع السطح..
وباتشمس
باستنى الفجر القلقان
باستنى، الضى من الآن
شايل شمس فى عبّى وباهمس
شايف: ناس فى الطين موحوله
وغيلان ماشيه بعينها الحولا
ورجال من غير
أى فحوله…
الديب بيسوق.. الحملان
وأنا مصلوب من غير صلبان
فاتح عينى لا كين مش فايق
المشهد قدامى حرايق
ولا شايف أشجار وحدايق
اللون غايب م الألوان
نفسى أحس فى يوم، بأمان
كل الأبواب فجأة اتقفَلتْ
أما الشمس قصادى، فأفلت
عايز أهرب م النار، وافلت
والعالم بيقول: ما خلاص
اتوقف رقاص الساعه
فى الساعه اتوقف رقاص..
كل دقيقة الغول.. بيغوّل
ولا عدتّش باحلم، كالأول
متكتفه ايدى يا إخلاص
واليمامات جوه الأقفاص
باصحى وكل عيونى عماص
اتوقف بندول الساعة..
وأنا أصبحت كأنى إشاعه
أنا أصبحت.. كما الفزاعه
بامشى كأنى خيال فى خيال
أنا ميّت مقتول فى شوال
من غير بنج لوحدى، باخطرف
عندى وطن مجروح وعيال
باغرق تحت الموج، واتشال
وارقص وأنا مدبوح التانجو
وباشيل نعش تقيل على كتفي
دايخ من غير بودره
وبانجو…
وباروح، وأنا عارف على حتفي
وباخطرف
فى الحلم.. باخطرف
نفسى من المذبحه، لو أنجو
أنا مش قادر أحرّك كتفي
أصل تقيل
على كتفى النعش
رايح وأنا مبسوط، على حتفي
وفى إيدى المغلولة كلبش
باخسر دايما، ولا باكسبش
حدفونى..
بصواريخ على دبش
وكلاب الدنيا المسعوره
فاتحه نيابها، ما بتهبهب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

- احوال محمد كشيك ” نصوص ”

كتبها محمد كشيك ، في 4 يوليو 2009 الساعة: 03:18 ص

———————————————
- احوال محمد كشيك " نصوص "
 

 

غياب الحضور
حضور الغياب
                ( أحوال  ) محمد كشيك
 
مقدمــة:
 أبدأ بسؤال رولان بارت ( من أين نبدأ ؟ )
 من أين نبدأ فى نصوص رمادية ، مضادة فى الغالب ، يمتد مسارها من المعقولية إلي الهوس ، ومن الوسواس إلي الهرب ، عبر فضاءات نصية متأزمة ، ينحدر فيها الكاتب للداخل حتي الغياب ، أو يستكين زمكانيا فى أفضل حالاته ، فيباغته الماضي ويضغط عليه لاغياً آنيته أو ملازما لها بدرجة تتفاوت فى مقدار كشفها للواقع من خلال التأمل والاستقراء أو التنبؤ . ويتم ذلك من موقع ملتبس ضبابي ، حلمي إلي حد كير .
لم أكن حاضراً ، لم أكن غائبا .كنت بين الحضور وبين الغياب  درويش من هذه المنطقة بين الوعي واللاوعي ، يبدأ كشيك في نسج خيوط عوالمه الحلمية ، الكابوسية علي الأكثر ، فيردنا إلي الجملة التى أعلنها الكاتب الكولمبي الشهير جابرييل جارثيا ماركيز( السلطان المطلق للمخيله ) وكما شرحها فى حوار معه قال ( إن حرية التخيل مدهشة ، والواقع يثبت أن المخيلة علي حق ) (1) .
إن مدخلاً كهذا لا يعفي من معاينة فضاءات النصوص وجسد الكتابة ورموز السياق المتعددة ، عبر منهجية تقسيم ابتعها المؤلف فى عمله الإبداعي بشكل واضح ، يتجلي فى مخطط العمل الذي ينقسم إلي ثلاثة أجزاء ، يوصف كل منهم بأنه حالة وكل حالة تحمل عنواناً خاصا بها أشبه ما تكون بسمتها العامة ، التى تندرج تحتها أعداد مختلفة من نصوص قصيرة فى الغالب ذات عنواين مختلفة .
 
الحالة الأولي - تهيؤات :
 
تحت هذه الحالة يندرج ستة وعشرون نصا قصيراً ، يرتدون عباءة الحلم ولا يتحدثون إلا من خلاله بلغة رمزية ، متأملة ومترقبة ، حذرة وقلقة ، كابوسية فى معظم الحالات . جميعها لا يخرج عن نطاق الإدراك البصري الذي يتعانق فيه التجريدي والتعبيري ، البسيط والمستحيل ، اللحظة ونفيها فيتسع المدي وتتنوع العوالم عبر النصوص لتعطي رؤاها .
أ- التأملية كما فى ( الزنجية ، الصندوق ، الشمس الكبيرة ..إلخ).
ب- التحذيرية التى تكتفي بالرصد فقط أو تتعداه إلي حيز التحقيق مثل ( المراسيم ، الغرق ) .
ج- الكشفية التى تؤدي إلي التراجع أو الهرب مثل نصوص       ( الكهف ، الاحتفال ، أبواب الخروج ) .
د- الانهزامية التى تقود إلي الإنكسار أو الخوف كما في ( تهيؤات - الشجرة الجزيرة إلخ ) وهنا يجب أن نشير إلي خصوصية هذه الحالة واختلافها الشديد عن الجزئين التاليين لها، إذ تعتبر أحدث ما كتب كشيك مقارنة بتواريخ الحالة الثانية والثالثة وبذلك توافرت لها الأدوات المكتملة ، التىأعطت نسيجاً شفافا ظهرت إرهاصاته فى نسيج الحالة الثانية بشكل واضح والثالثة بشكل ملحوظ .
 
1- النص / الإختلاف / التلقي :
 
لعلني في هذا الصدد سوف أفر من منطقة التشابك مع إدوار الخراط ، وبدر الديب ومنتصر القفاش بكل ما تعنيه هذه المنطقة من مسارات مختلفة يجمعها هواء واحد يتمثل فى المصطلحات الخاصة      ( كالكتابة العبرنوعية ، أو ثنائية القصة القصيدة أو حتي قصيدة النثر) والذي يساعدني علي ذلك لغة الحلم التى تقال بها معظم النصوص ، فتحيلنا مباشرة إلي إصحاب نظرية الاستقبال Reception theory (2)، وأفق التوقع بالذات " هانز روبرت ياوس " الذي طرح هذا المصطلح بوصفه أساساً للقراءة والتفسير ومن ثم أساساً لإبداعية النص.
وهو مفهوم يضع منظومة التوقعات والافتراضات الأدبية والسياقية التى تكون مترسبة فى ذهن القارئ حول نص ما جانباً ، قبل الشروع فى قراءة النص، وهي فروض وتصورات قد تكون فردية لدي شخص محدد حول نص محدد ، وقد تكون تصورات يحملها جيل أو فئة ما من القراء عن نص أو نصوص بحيث يستقلبونها وهم محملون حولها بهذه التصورات التى تشكل أفق التوقع ويأتي النص الأدبي علي أساس ما سماه ياوس " بالمسافة الجمالية Esthelic distance  وهي مقدار مخالفة النص لتوقعات القراء حيث يسمو النص إبداعيا حسب حجم الاختلاف ويتراجع إبداعيا حسب اقترابه من التوقع . إذن فعلينا أن نقرأ النصوص فى مواجهة الطبع Against The grain  -كما يقول ياوس. إذا عكسنا النص فى مواجهة المطبوع فى الذهن عنه فسوف نتبين ما هو جاهز ومعاد فيه وما هو منجز ابداعيا ، وسنتبين المسافة الجمالية فيه وعلي هذا سندخل إلي النصوص التى حيرت مؤلفها فيما أعتقد فصدرها لنا كما هي تاركا مهمة التنقيب والتصنيف للمتلقي .
 
2- الواقع / الحلم / غياب الحضور :
 
بعد القراءة الكلية للحالات الثلاثة وتتبع أهم ملامحها سنجد أن الواقع المعاش قاسم مشترك أعظم ، يعطي للنصوص أبعاداً تختلف حسب درجة تفاعل الذات المبدعة معه وانشغالها به حتي ولو كان بشكل حلمي غير مباشر كما في الحالة الأولي : حيث تفتح نافذة علي الذاكرة المضادة فتهرب منها رموز لكوامن الذات العاجزة عن تغيير واقعها المحبط الذي لا تمل تأمله ورصده فتخرج كل كوامنها من آمال وتوترات ونزعات عدوانية ومخاوف عبر ( الحلم ) الذي هو بنص فرويد ( طريقة للتعبير عن المخاوف والآمال والرغبات الموجودة في  اللاشعور) (3) وبذلك يكون لدينا عدة أنواع للأحلام نستطيع تتبعها عبر النصوص. هناك مثلاً ( الأحلام الواقعية ) (4) التى يؤكد تفسيرها المواقف الحالية التى يعرفها الحالم . والتى تتضح فيها فى نص " الجزيرة " نقرأ مثلا ( ذلك المائل هناك يرمي بالحراديف ، فتخرج فارغة ، يعود بإصبعه المجروح ، والجزيرة التى لا تفارقه تقترب وتبتعد والعصافير التى تحن للأوكار وتشرئب فى انتظار النهار )      ص 40 .
هذه المفردات الرمزية فى مقابل ( الفخاخ التى تنفتح فجأة والدوامات التى لا تتوقف والزعانف التى تضرب الماء بقوة ) ص 40 تصل فى النهاية إلي الرجل الذي يجلس علي الشاطئ ، يرتدي قبعة مهدلة الأطراف والدماء التى تنزف . كحالة من الانهزام تتضافر مع نص " الشمس الكبيرة " حيث ( العصافير الملونة المعلقة فى فضاء الغرفة ، الروائح المبكرة للزهور الشتوية تملأ المكان ، كل شئ يبدو متألقا بادي النصوع مليئا بالحياة ) ص 42 فى مقابل مفردات أخري واضحة الدلالة ( الصندوق هو الذي كان يضايقني ، فلم يعد بوسعي التحرك لأكثر من بوصة واحدة وكانت قدمي تؤلمني ، ويداي مضمومتان لا يمكنني أن أحركهما فى أي اتجاه ) ص 42 .هذه الحالة من القيد والاختناق تبعث علي الغياب وتضغط حد الانفصال عن الواقع الذي يحياه لدرجة لا يعرف معها هل كان بكامل ملابسه أم عاريا ، رغم أنه يدرك جيدا ما يدور حوله فلا يكون ( بشكل اسقاطي للحاله ) إلا الشمس الكبيرة الملونة التى تتأهب للرحيل كرمز يؤول بسهولة .
وتتبلور الحالة أكثر عبر نص " الكهف " بإيحاءاته القرآنية وتظهر الذات التى تكتشف الواقع المحبط وكأنها قادمة من عالم آخر لا ينتبه إليها أحد ، فيسرق منها أمانها ليبقي منها ( كائن غريب منقرض يتحرك بعداء وخوف وسط فضاء محفوف بالهلاك ) ص 35 وهنا يجب أن نشير إلي أن الغالبية العظمي من علماء النفس المحدثين مثل ( إميل هوتايل ، ويلهم سبتكل ، كارل جونج ) (4) يؤمنون بأن " الأحلام تدل علي معان رمزية يمكن ترجمتها " وأن مفسر الأحلام الجيد فى رأي أرسطو هو من ( يملك القدرة علي ملاحظة التشابه ) (5) .
عدد آخر من النصوص يدخل تحت مظلة نوع ثانٍ من الأحلام يطلق عليه ( أحلام التحذير ) (6) لأن تفسيرها يحدد عادة طبيعة خطر مقبل فهي تنتج من استقراء الواقع بزاوية رؤية مختلفة ، تؤدي إلي استنتاج أشياء مختلفة عن السائد ولكنها تتحقق فى الغالب .. من هذه النصوص نص ( المراسيم ) الذي يتم فيه الرصد لواقع ما بمفردات تشف ولا تكشف ، فهناك عالم ما يختفي خلف باب لا يسمع عبره        ( كلما فتح ) سوي ضجة مكتومة لآلة لا ندري كنهها اللهم إلا صوت التروس والجرافات وهناك طوابير أمام هذا الباب تحلقوا حول شجرة الترسيم صفوف متراصة ( بأرديتهم البيضاء ، التى تصل إلي الركبتين، أعمارهم صغيرة لم تنبت لهم لحية ، كانوا يتحركون بآلية دونما أي تذمر ) ص 20 وهناك من قاموا بإعداد كل شئ حتي يتم ترسيمهم فيتحولون إلي كائنات هشة ، تتحرك خلف الباب فى صمت وريبة . أضف إلي ذلك التحذير الخفي من الأعداد التى تنتظر فتح البوابة ، تقف فى طوابير وهي تهلل فرحة بالخلاص ، والدخول إلي هذا العالم السري .
نص آخر يتعدى حد الرصد إلي التحقق وهو نص ( الغرق ) الذي يقودنا إلي رؤيتين مختلفتين للواقع احداهما تحذر والأخري تستهين ، حتي يتحقق ما كان يُحذر منه وتصدق الرؤيا ( أخبرتها أن التواجد فى هذا المكان أصبح خطراً / تبتسم وتطلق ضحكتها الرائقة ) ( كان المنسوب يرتفع فتوسلت إليها / راحت تراقب بفرح طفولي الدوامات ) بينما أتابع بفزع تحركات المياه وهي تندفع مثل الشلالات لتزيح من أمامها كل شئ . ص 7 .
بعض النصوص تنفلت من تصنيفات الأحلام المعروفة فتستعصي علي التفسير أو القراءة وقد اعترف فرويد نفسه أن ثمة أحلام لا تفسر وتمادي فى ذلك يونج بشكل أكثر وضوحاً وربما تعميماً (7) يظهر ذلك فى نصى  ( الزنجية ) و ( الصندوق ) فى الزنجية يبدأ السرد بمكان واقعي ملموس ، وحدث حياتى هو الاستحمام ، للزنجيةالتى تتلصص عليها الأطفال أثناء ذلك فتفتح لهم النافذة علي آخرها ثم تنقلب فجأة المفردات فنشاهد ( أسراب الكروان حين ترفرف قليلاً وتحط بالقرب منها ثم تبدأ فى التسبيح الجميل لمالك الملك ويحل الصمت العميق، ويسود خشوع وتتملكنا الرهبة ونحن نري الأعداد الغفيرة من الهداهد الملونة تقترب منها ، وتمشي بتيه وخيلاء ) ص 8 أيضا فىنص الصندوق . نفس البداية المحددة لمكان حقيقي نكتشف أن به شخص صغير الحجم ( بملامح الطفل التى لا تفارقه ، تلك الابتسامة الوادعة ، ذقنه الحليقة دائما لكن حجمه أصبح صغيراً إلي الحد الذي أمكن وضعه داخل الصندوق ) ص 10 . لا يتوقف الأمر عند هذا الكشف بل يتم الاحتفاظ بالصندوق مرة أخري ( بما فيه ) فى مكان بحفرة تحت الشجرة ينتهي النص الإبداعي ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

احوال محمد كشيك

كتبها محمد كشيك ، في 4 يوليو 2009 الساعة: 03:07 ص

 

غياب الحضور
حضور الغياب
                 ( أحوال  ) محمد كشيك
 
مقدمــة:
 أبدأ بسؤال رولان بارت ( من أين نبدأ ؟ )
 من أين نبدأ فى نصوص رمادية ، مضادة فى الغالب ، يمتد مسارها من المعقولية إلي الهوس ، ومن الوسواس إلي الهرب ، عبر فضاءات نصية متأزمة ، ينحدر فيها الكاتب للداخل حتي الغياب ، أو يستكين زمكانيا فى أفضل حالاته ، فيباغته الماضي ويضغط عليه لاغياً آنيته أو ملازما لها بدرجة تتفاوت فى مقدار كشفها للواقع من خلال التأمل والاستقراء أو التنبؤ . ويتم ذلك من موقع ملتبس ضبابي ، حلمي إلي حد كير .
لم أكن حاضراً ، لم أكن غائبا .كنت بين الحضور وبين الغياب  درويش من هذه المنطقة بين الوعي واللاوعي ، يبدأ كشيك في نسج خيوط عوالمه الحلمية ، الكابوسية علي الأكثر ، فيردنا إلي الجملة التى أعلنها الكاتب الكولمبي الشهير جابرييل جارثيا ماركيز( السلطان المطلق للمخيله ) وكما شرحها فى حوار معه قال ( إن حرية التخيل مدهشة ، والواقع يثبت أن المخيلة علي حق ) (1) .
إن مدخلاً كهذا لا يعفي من معاينة فضاءات النصوص وجسد الكتابة ورموز السياق المتعددة ، عبر منهجية تقسيم ابتعها المؤلف فى عمله الإبداعي بشكل واضح ، يتجلي فى مخطط العمل الذي ينقسم إلي ثلاثة أجزاء ، يوصف كل منهم بأنه حالة وكل حالة تحمل عنواناً خاصا بها أشبه ما تكون بسمتها العامة ، التى تندرج تحتها أعداد مختلفة من نصوص قصيرة فى الغالب ذات عنواين مختلفة .
 
الحالة الأولي - تهيؤات :
 
تحت هذه الحالة يندرج ستة وعشرون نصا قصيراً ، يرتدون عباءة الحلم ولا يتحدثون إلا من خلاله بلغة رمزية ، متأملة ومترقبة ، حذرة وقلقة ، كابوسية فى معظم الحالات . جميعها لا يخرج عن نطاق الإدراك البصري الذي يتعانق فيه التجريدي والتعبيري ، البسيط والمستحيل ، اللحظة ونفيها فيتسع المدي وتتنوع العوالم عبر النصوص لتعطي رؤاها .
أ- التأملية كما فى ( الزنجية ، الصندوق ، الشمس الكبيرة ..إلخ).
ب- التحذيرية التى تكتفي بالرصد فقط أو تتعداه إلي حيز التحقيق مثل ( المراسيم ، الغرق ) .
ج- الكشفية التى تؤدي إلي التراجع أو الهرب مثل نصوص       ( الكهف ، الاحتفال ، أبواب الخروج ) .
د- الانهزامية التى تقود إلي الإنكسار أو الخوف كما في ( تهيؤات - الشجرة الجزيرة إلخ ) وهنا يجب أن نشير إلي خصوصية هذه الحالة واختلافها الشديد عن الجزئين التاليين لها، إذ تعتبر أحدث ما كتب كشيك مقارنة بتواريخ الحالة الثانية والثالثة وبذلك توافرت لها الأدوات المكتملة ، التىأعطت نسيجاً شفافا ظهرت إرهاصاته فى نسيج الحالة الثانية بشكل واضح والثالثة بشكل ملحوظ .
 
1- النص / الإختلاف / التلقي :
 
لعلني في هذا الصدد سوف أفر من منطقة التشابك مع إدوار الخراط ، وبدر الديب ومنتصر القفاش بكل ما تعنيه هذه المنطقة من مسارات مختلفة يجمعها هواء واحد يتمثل فى المصطلحات الخاصة      ( كالكتابة العبرنوعية ، أو ثنائية القصة القصيدة أو حتي قصيدة النثر) والذي يساعدني علي ذلك لغة الحلم التى تقال بها معظم النصوص ، فتحيلنا مباشرة إلي إصحاب نظرية الاستقبال Reception theory (2)، وأفق التوقع بالذات " هانز روبرت ياوس " الذي طرح هذا المصطلح بوصفه أساساً للقراءة والتفسير ومن ثم أساساً لإبداعية النص.
وهو مفهوم يضع منظومة التوقعات والافتراضات الأدبية والسياقية التى تكون مترسبة فى ذهن القارئ حول نص ما جانباً ، قبل الشروع فى قراءة النص، وهي فروض وتصورات قد تكون فردية لدي شخص محدد حول نص محدد ، وقد تكون تصورات يحملها جيل أو فئة ما من القراء عن نص أو نصوص بحيث يستقلبونها وهم محملون حولها بهذه التصورات التى تشكل أفق التوقع ويأتي النص الأدبي علي أساس ما سماه ياوس " بالمسافة الجمالية Esthelic distance  وهي مقدار مخالفة النص لتوقعات القراء حيث يسمو النص إبداعيا حسب حجم الاختلاف ويتراجع إبداعيا حسب اقترابه من التوقع . إذن فعلينا أن نقرأ النصوص فى مواجهة الطبع Against The grain  -كما يقول ياوس. إذا عكسنا النص فى مواجهة المطبوع فى الذهن عنه فسوف نتبين ما هو جاهز ومعاد فيه وما هو منجز ابداعيا ، وسنتبين المسافة الجمالية فيه وعلي هذا سندخل إلي النصوص التى حيرت مؤلفها فيما أعتقد فصدرها لنا كما هي تاركا مهمة التنقيب والتصنيف للمتلقي .
 
2- الواقع / الحلم / غياب الحضور :
 
بعد القراءة الكلية للحالات الثلاثة وتتبع أهم ملامحها سنجد أن الواقع المعاش قاسم مشترك أعظم ، يعطي للنصوص أبعاداً تختلف حسب درجة تفاعل الذات المبدعة معه وانشغالها به حتي ولو كان بشكل حلمي غير مباشر كما في الحالة الأولي : حيث تفتح نافذة علي الذاكرة المضادة فتهرب منها رموز لكوامن الذات العاجزة عن تغيير واقعها المحبط الذي لا تمل تأمله ورصده فتخرج كل كوامنها من آمال وتوترات ونزعات عدوانية ومخاوف عبر ( الحلم ) الذي هو بنص فرويد ( طريقة للتعبير عن المخاوف والآمال والرغبات الموجودة في  اللاشعور) (3) وبذلك يكون لدينا عدة أنواع للأحلام نستطيع تتبعها عبر النصوص. هناك مثلاً ( الأحلام الواقعية ) (4) التى يؤكد تفسيرها المواقف الحالية التى يعرفها الحالم . والتى تتضح فيها فى نص " الجزيرة " نقرأ مثلا ( ذلك المائل هناك يرمي بالحراديف ، فتخرج فارغة ، يعود بإصبعه المجروح ، والجزيرة التى لا تفارقه تقترب وتبتعد والعصافير التى تحن للأوكار وتشرئب فى انتظار النهار )      ص 40 .
هذه المفردات الرمزية فى مقابل ( الفخاخ التى تنفتح فجأة والدوامات التى لا تتوقف والزعانف التى تضرب الماء بقوة ) ص 40 تصل فى النهاية إلي الرجل الذي يجلس علي الشاطئ ، يرتدي قبعة مهدلة الأطراف والدماء التى تنزف . كحالة من الانهزام تتضافر مع نص " الشمس الكبيرة " حيث ( العصافير الملونة المعلقة فى فضاء الغرفة ، الروائح المبكرة للزهور الشتوية تملأ المكان ، كل شئ يبدو متألقا بادي النصوع مليئا بالحياة ) ص 42 فى مقابل مفردات أخري واضحة الدلالة ( الصندوق هو الذي كان يضايقني ، فلم يعد بوسعي التحرك لأكثر من بوصة واحدة وكانت قدمي تؤلمني ، ويداي مضمومتان لا يمكنني أن أحركهما فى أي اتجاه ) ص 42 .هذه الحالة من القيد والاختناق تبعث علي الغياب وتضغط حد الانفصال عن الواقع الذي يحياه لدرجة لا يعرف معها هل كان بكامل ملابسه أم عاريا ، رغم أنه يدرك جيدا ما يدور حوله فلا يكون ( بشكل اسقاطي للحاله ) إلا الشمس الكبيرة الملونة التى تتأهب للرحيل كرمز يؤول بسهولة .
وتتبلور الحالة أكثر عبر نص " الكهف " بإيحاءاته القرآنية وتظهر الذات التى تكتشف الواقع المحبط وكأنها قادمة من عالم آخر لا ينتبه إليها أحد ، فيسرق منها أمانها ليبقي منها ( كائن غريب منقرض يتحرك بعداء وخوف وسط فضاء محفوف بالهلاك ) ص 35 وهنا يجب أن نشير إلي أن الغالبية العظمي من علماء النفس المحدثين مثل ( إميل هوتايل ، ويلهم سبتكل ، كارل جونج ) (4) يؤمنون بأن " الأحلام تدل علي معان رمزية يمكن ترجمتها " وأن مفسر الأحلام الجيد فى رأي أرسطو هو من ( يملك القدرة علي ملاحظة التشابه ) (5) .
عدد آخر من النصوص يدخل تحت مظلة نوع ثانٍ من الأحلام يطلق عليه ( أحلام التحذير ) (6) لأن تفسيرها يحدد عادة طبيعة خطر مقبل فهي تنتج من استقراء الواقع بزاوية رؤية مختلفة ، تؤدي إلي استنتاج أشياء مختلفة عن السائد ولكنها تتحقق فى الغالب .. من هذه النصوص نص ( المراسيم ) الذي يتم فيه الرصد لواقع ما بمفردات تشف ولا تكشف ، فهناك عالم ما يختفي خلف باب لا يسمع عبره        ( كلما فتح ) سوي ضجة مكتومة لآلة لا ندري كنهها اللهم إلا صوت التروس والجرافات وهناك طوابير أمام هذا الباب تحلقوا حول شجرة الترسيم صفوف متراصة ( بأرديتهم البيضاء ، التى تصل إلي الركبتين، أعمارهم صغيرة لم تنبت لهم لحية ، كانوا يتحركون بآلية دونما أي تذمر ) ص 20 وهناك من قاموا بإعداد كل شئ حتي يتم ترسيمهم فيتحولون إلي كائنات هشة ، تتحرك خلف الباب فى صمت وريبة . أضف إلي ذلك التحذير الخفي من الأعداد التى تنتظر فتح البوابة ، تقف فى طوابير وهي تهلل فرحة بالخلاص ، والدخول إلي هذا العالم السري .
نص آخر يتعدى حد الرصد إلي التحقق وهو نص ( الغرق ) الذي يقودنا إلي رؤيتين مختلفتين للواقع احداهما تحذر والأخري تستهين ، حتي يتحقق ما كان يُحذر منه وتصدق الرؤيا ( أخبرتها أن التواجد فى هذا المكان أصبح خطراً / تبتسم وتطلق ضحكتها الرائقة ) ( كان المنسوب يرتفع فتوسلت إليها / راحت تراقب بفرح طفولي الدوامات ) بينما أتابع بفزع تحركات المياه وهي تندفع مثل الشلالات لتزيح من أمامها كل شئ . ص 7 .
بعض النصوص تنفلت من تصنيفات الأحلام المعروفة فتستعصي علي التفسير أو القراءة وقد اعترف فرويد نفسه أن ثمة أحلام لا تفسر وتمادي فى ذلك يونج بشكل أكثر وضوحاً وربما تعميماً (7) يظهر ذلك فى نصى  ( الزنجية ) و ( الصندوق ) فى الزنجية يبدأ السرد بمكان واقعي ملموس ، وحدث حياتى هو الاستحمام ، للزنجيةالتى تتلصص عليها الأطفال أثناء ذلك فتفتح لهم النافذة علي آخرها ثم تنقلب فجأة المفردات فنشاهد ( أسراب الكروان حين ترفرف قليلاً وتحط بالقرب منها ثم تبدأ فى التسبيح الجميل لمالك الملك ويحل الصمت العميق، ويسود خشوع وتتملكنا الرهبة ونحن نري الأعداد الغفيرة من الهداهد الملونة تقترب منها ، وتمشي بتيه وخيلاء ) ص 8 أيضا فىنص الصندوق . نفس البداية المحددة لمكان حقيقي نكتشف أن به شخص صغير الحجم ( بملامح الطفل التى لا تفارقه ، تلك الابتسامة الوادعة ، ذقنه الحليقة دائما لكن حجمه أصبح صغيراً إلي الحد الذي أمكن وضعه داخل الصندوق ) ص 10 . لا يتوقف الأمر عند هذا الكشف بل يتم الاحتفاظ بالصندوق مرة أخري ( بما فيه ) فى مكان بحفرة تحت الشجرة ينتهي النص الإبداعي فى هذا الإطار ولا يت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي